في تونس، لم يعد السؤال مقتصرًا على ما تبثه نشرات الأخبار، بل بات يتعلق أيضًا بما تختار ألا تبثه. فقد يحدث تحرك نقابي يشارك فيه آلاف المواطنين، أو تنظم منظمة وطنية مؤتمرًا لمناقشة قضايا عامة، أو تعلن مكونات من المجتمع المدني عن موقف من سياسات الدولة، ثم لا يجد الحدث مكانه في بعض النشرات الإخبارية، أو يمر في تغطية مقتضبة لا تعكس أهميته ولا حجم النقاش الذي أثاره.
ليس كل حدث غائب عن الشاشة دليلًا على الرقابة، وليست كل تغطية محدودة نتيجة تعليمات سياسية. لكن تكرار حالات التجاهل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتحركات اجتماعية أو مواقف نقدية للسلطة، يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل: هل يتعلق الأمر بتقديرات تحريرية عادية، أم برقابة مباشرة أو غير مباشرة، أم برقابة ذاتية باتت تسبق وصول الخبر إلى الجمهور؟
هذا السؤال يكتسب أهمية إضافية في ضوء ما أثارته تدوينة الصحفي التونسي بقناة الجزيرة محمد كريشان، المعنونة بـ “وفاة الإعلام العمومي في تونس”، من نقاش بشأن التراجع الذي عرفته التعددية الإعلامية بعد سنوات من الانفتاح الذي أعقب ثورة 2011.

من غياب الخبر إلى تغييب الواقع
قدّم كريشان في تدوينته قراءة نقدية لتحول الإعلام العمومي التونسي، مستحضرًا التباين بين مرحلة ما بعد الثورة، حين اتسعت مساحة النقاش السياسي في التلفزيون والإذاعة، والمرحلة الراهنة التي يرى أنها شهدت تراجعًا في التعددية وحضور الأصوات المعارضة. وتستند أهمية هذه القراءة إلى أنها لا تتوقف عند مضمون البرامج أو هوية الضيوف، بل تطرح سؤالًا أعمق بشأن وظيفة الإعلام العمومي وعلاقته بالمجتمع.
فالإعلام العمومي ليس مجرد مؤسسة تنقل أنشطة رئاسة الجمهورية والوزارات، ولا منصة لعرض المواقف الرسمية وحدها، إنما هو مرفق يفترض فيه أن يتيح للمواطنين الاطلاع على مختلف القضايا التي تمس حياتهم، وأن يعكس تنوع المواقف الاجتماعية والسياسية والنقابية، بما في ذلك المواقف التي لا تحظى بقبول السلطة.
حين تغيب تظاهرة من النشرة الإخبارية، فإن الخسارة لا تقتصر على المنظمين الذين لم تصل رسالتهم إلى جمهور أوسع، إنما تمس بشكل جوهري حق المواطنين في المعلومة وفي معرفة ما يجري في بلدهم، وتحد من قدرتهم على تكوين آراء مستقلة انطلاقًا من معلومات متعددة المصادر.

من أبرز الوقائع التي وثقت هذا الإشكال ما حدث يوم 21 أوت 2025، عندما نظم الاتحاد العام التونسي للشغل تحركًا وطنيًا في العاصمة تونس، شارك فيه آلاف المواطنين وفق بيان النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين.
في اليوم التالي، أصدرت نقابة الصحفيين بيانًا عبّرت فيه عن قلقها إزاء ما وصفته بـ “التعتيم الإعلامي الواسع وغير المسبوق” الذي مارسته أغلب وسائل الإعلام العمومية تجاه التحرك واعتبرت أن تجاهل حدث بهذا الحجم يمثل انحرافًا عن المبادئ الأساسية للعمل الإعلامي العمومي وخرقًا لحق المواطن في إعلام حر وشفاف.
لم تكن المسألة وفق موقف النقابة، مجرد اختلاف في تقدير الأهمية الإخبارية. فقد حمّلت وسائل الإعلام العمومية مسؤولية مباشرة عن تغييب التحرك وربطت ذلك بتراجع آليات الرقابة المستقلة على القطاع السمعي البصري وفي مقدمتها الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري «الهايكا».
من جانبه عبّر مجلس الصحافة عن قلقه من التعتيم الذي رافق تحركات وطنية أخرى، شملت المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والاتحاد العام التونسي للشغل ومكونات مواطنية في عدد من الجهات. وأشار إلى تخلف شبه كامل لعدد من وسائل الإعلام العمومية والخاصة عن تغطية هذه الأحداث، مع وجود استثناءات محدودة، اعتبر أن بعضها لم يعكس جوهر الخبر في مضمونه وتعليقه وصورته.
حين تتحول أنشطة المنظمات الوطنية إلى أخبار هامشية
لا يتوقف النقاش عند التحركات الاحتجاجية، فالمؤتمرات والندوات والبيانات الصادرة عن المنظمات الوطنية والنقابات والجمعيات تمثل بدورها مساحة أساسية لعرض قضايا الشغل والحقوق والحريات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
وتكتسب هذه الأنشطة أهمية خاصة عندما تتناول مسائل خلافية أو تقدم تقييمًا مغايرًا لتقييم الحكومة أو تكشف عن مطالب اجتماعية لا تظهر بالقدر نفسه في الخطاب الرسمي.
لكن غياب التغطية الإعلامية أو اختزالها في خبر مقتضب قد يحول هذه الأنشطة إلى وقائع محصورة في جمهور المشاركين فيها. وفي المقابل، تتيح التغطية المهنية للجمهور الاطلاع على مواقف المنظمين، والتحقق من حججهم، والاستماع إلى ردود الأطراف المعنية، بدل ترك المجال لرواية واحدة.
وفي هذا السياق، لا ينبغي التعامل مع كل مؤتمر أو نشاط لمنظمة وطنية باعتباره حدثًا يستوجب بالضرورة تغطية كاملة. فالصحافة مطالبة بالاختيار وترتيب الأولويات وفق معايير المصلحة العامة لا وفق رغبات المنظمين. غير أن هذه المعايير نفسها تقتضي تفسيرًا مهنيًا لغياب أحداث عامة واسعة المشاركة، أو لقضايا تهم قطاعات اجتماعية كبيرة خصوصًا عندما يتكرر هذا الغياب في اتجاه واحد.
وتشير مواقف نقابة الصحفيين ومجلس الصحافة إلى أن الإشكال امتد إلى أحداث نظمتها أطراف مختلفة، ولم يعد محصورًا في علاقة وسيلة إعلام واحدة بمنظمة بعينها. وهذا ما يجعل المسألة أوسع من خلاف عابر بين الصحافة وبعض الفاعلين المدنيين إنما بمدى قدرة الجمهور على الوصول إلى صورة متكاملة عن الحياة العامة.

ومن الضروري هنا التمييز بين ثلاثة مستويات في علاقة بحجب المعلومة عن عموم المواطنين وحرمان الجمهور من تغطية إخبارية متوازنة خاصة من طرف وسائل الإعلام العمومي:
المستوى الأول هو المنع المباشر، حين تتدخل جهة رسمية لمنع صحفي من تغطية حدث، أو تقييد وصوله إلى المعلومات، أو تعطيل عمله الميداني وقد وثقت نقابة الصحفيين ومنظمات أخرى على غرار مراسلون بلا حدود أنواعا حالات من هذا النوع في تونس كما هو الحال في منع صحفية من وكالة تونس افريقيا للانباء من طرف والي أريانة كان بصدد تغطية الأضرار الناجمة عن فيضانات ضربت العاصمة تونس في شهر سبتمبر المنقضي.
والثاني هو التدخل في الخط التحريري، سواء من خلال توجيهات إدارية أو ضغوط على المسؤولين عن المؤسسات الإعلامية أو فرض قيود على الموضوعات التي يمكن تناولها. أما المستوى الثالث فهو الرقابة الذاتية، حين يتجنب الصحفي أو المحرر معالجة موضوع حساس خشية التبعات المهنية أو القانونية أو الإدارية، حتى من دون تلقي أمر صريح.
وتقدم منظمة مراسلون بلا حدود بدورها صورة عن تراجع التعددية الإعلامية في تونس، مشيرة إلى أن المشهد الإعلامي أصبح منذ سنة 2021 أكثر ميلًا إلى سردية موحدة مؤيدة للرئيس، مع استمرار مقاومة بعض المؤسسات الإعلامية لهذا الاتجاه. كما تذكر المنظمة أن الصحفيين يواجهون ضغوطًا سياسية وقضائية واقتصادية تؤثر في قدرتهم على العمل باستقلالية.
هذه المعطيات توفر سياقًا لفهم حالات التغييب الإعلامي، لكنها لا تعفي من ضرورة التحقق في كل واقعة على حدة. فإذا كان الادعاء أن جهة رسمية أصدرت تعليمات لمنع تغطية مؤتمر أو تحرك معين، فإن إثباته يحتاج إلى شهادات مباشرة أو وثائق أو تسجيلات أو معطيات قابلة للتحقق. أما تكرار الغياب، فيمكن أن يكون مؤشرًا يستوجب التحقيق، لكنه ليس وحده دليلًا حاسمًا على وجود أمر سياسي محدد.
في نهاية المطاف، لا تتمثل أزمة الإعلام التونسي في أن بعض الأخبار لا تصل إلى الشاشة فحسب، بل في أن تكرار غيابها قد يغيّر صورة الواقع التي تصل إلى الجمهور. فحين تحضر الأنشطة الرسمية بانتظام، بينما تتراجع تغطية التحركات الاجتماعية والمواقف النقدية، يصبح السؤال عن التوازن التحريري سؤالًا عن حق المواطنين في معرفة ما يجري خارج الرواية الرسمية.
لقد أظهر الجدل الذي أعقب تحرك الاتحاد العام التونسي للشغل في أوت 2025 أن التعتيم الإعلامي لم يعد موضوعًا يقتصر على ملاحظات الصحفيين أو احتجاجات المنظمات، بل بات موضع بيانات صريحة من النقابة الوطنية للصحفيين ومجلس الصحافة. وتنسجم هذه الوقائع مع تحذيرات أوسع بشأن تراجع التعددية وتزايد الضغوط على العمل الصحفي في تونس.
غير أن استعادة الثقة لا تتحقق بمجرد رفع شعار استقلالية الإعلام، بل بضمان شروطها: حماية الصحفيين من الضغوط والملاحقات، وتكريس استقلال غرف الأخبار، وضمان النفاذ إلى المعلومة، واعتماد معايير تحريرية شفافة، ومساءلة المؤسسات عن حالات التغييب المتكرر.
فالإعلام لا يؤدي وظيفته حين ينقل ما وقع فقط، بل حين يمنح الجمهور فرصة معرفة ما وقع أيضًا عندما لا ترغب جهة نافذة في أن يراه. وبين الخبر الذي يُبث والخبر الذي يُستبعد، تتحدد مساحة أساسية من حرية المجتمع في فهم واقعه ومساءلة من يحكمه.