مقال

نساء القيروان يقطعن عشرات الكيلومترات لطبيبة نسائية واحدة: أزمة النفاذ للصحة الإنجابية في أرياف تونس

في المستوصف المحلي بالقيروان الجنوبية، لا تزور القابلة المرضى إلا يوما واحدا في الأسبوع. من تفوتها من النساء تلك الساعات القليلة تنتظر أسبوعا كاملا آخر، مهما كانت حالتها. هذا الموقف، الذي تصفه إحدى متساكنات المنطقة، يختصر واقعا تعيشه مئات النساء في أرياف القيروان: فالحق في الصحة الإنجابية موجود على الورق، لكن الوصول إليه رهين بمسافة الطريق وحالة الطقس و توفّر وسيلة تنقّل .

في منطقة زمّيط الريفية النائية، ينعدم وجود أي مستوصف أو مركز صحّة أساسية، حسب ما صرّحت به إحدى مواطنات الجهة (رفضت الكشف عن إسمها) مؤكدة أن هذا الغياب يعكس واقع منطقة سقطت كليّا من حسابات التغطية الصحّية والتنموية.

إذ ترسم المواطنة تفاصيل قاسية عن رحلة الأمومة والإنجاب مؤكدة أن النساء هناك حين يحين موعد ولادتهن لا يملكن خيارا سوى التوجّه نحو وسط مدينة القيروان، بكل ما يحمله ذلك المسار من مشقّة بالغة نتيجة بعد المسافة وعزلة وسائل النقل وصعوبة المساك الترابية.

وتضيف بحرقة “أن الأثر الأعمق لهذا الحرمان لا يظهر في أوجاع الولادة الاستعجالية فحسب، بل يتشكل قبلها بأشهر طويلة حيث تضطر النساء الحوامل لتجاهل المتابعة المنتظمة لصحتهن وصحّة أجنتهن لأن صعوبة التنقل والتكاليف الباهظة يصبحان عبئا ثقيلاً يثنيهن عن عيادة الطبيب، ليغدو ما يراه البعض تقصيرا في متابعة الحمل نتيجة مباشرة لغياب أي هيكل صحي في محيطهن الجغرافي.

ولا تشكّل منطقة زميط استثناءً في هذا المشهد الإنساني القاسي، إذ يمتد الواقع ذاته ليخيم على معتمديات القيروان الجنوبية والعلا وحفوز و غيرها من المعتمديات ، حيث تتضاعف المعاناة نتيجة تدهور البنية التحتية ، فضلاً عن تعثر أشغال التجديد والصيانة في الهياكل الموجودة.

تصف إحدى متساكنات القيروان الجنوبية معضلتها الميدانية قائلة “إن الأهالي يلجؤون للمستوصف المحلّي باعتباره الهيكل الأقرب، غير أن الطرقات المهترئة والممحفورة تقطع أوصال التواصل بين أريافهن والمؤسسة الصحية التي تبعد عنهن أكثر من عشرة كيلومترات.”وفق قولها

وتضيف “أن النساء يضطررن لقطع تلك المسافة مشيا على الأقدام أو باستجداء شاحنات النقل الفلاحي والسيارات العابرة، وتزداد الأزمة خطورة بالنظر إلى أن القابلة لا تزور المستوصف إلا يوما واحدا في الأسبوع، مما يعني أن عدم الوصول في الساعات الأولى من ذلك اليوم يستوجب انتظار أسبوع كامل آخر.

وتتساءل المواطنة بحسرة عن كيفية تأمين حمل سليم وتجنب المخاطر الصحية في ظل عجز النساء عن تحمّل التكاليف الماديّة الباهظة للتحاليل المخبرية والتنقل نحو العاصمة أو مركز الولاية، مشيرة إلى أن غياب الإمكانيات يضطر العديد من النساء إلى ترك سلامتهن وسلامة أجنتهن لمشيئة الله دون أي متابعة طبية.”وفق تعبيرها

هذا الواقع الميداني الصادم تلتقي فيه الشهادات الحيّة مع البيانات الرسمية التي تعكس على عمق الفجوة التنموية بين الجهات التونسية، إذ أظهرت نتائج التعداد العام للسكان والسكنى الصادر عن المعهد الوطني للإحصاء أن التغطية الصّحية الوطنية لا تتجاوز 76 بالمائة من السكان، فيما تنخفض نسبة التغطية الاجتماعية إلى حدود 42 بالمائة.

ويكشف التفصيل الجهوي للتعداد عن تباين حاد، إذ تبلغ نسبة التغطية الاجتماعية نحو 49 بالمائة في إقليم تونس الكبرى، في حين تتراجع لتصل إلى38 بالمائة فقط في الإقليم الرابع الذي يضم ولايات القيروان والقصرين وسيدي بوزيد.

وتتكامل هذه الفجوة مع التراجع الهيكلي في مؤشرات التنمية الجهوية الصادرة عن المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية التابع لوزارة الاقتصاد، والتي وثقت انخفاض معدل الأطباء في القطاع العمومي إلى 9 أطباء لكل عشرة آلاف ساكن في المناطق الداخلية، وتراجع معدل الصيدليات ومراكز الأمومة لكل عشرة آلاف ساكن، وهو ما وصفته التقارير الرسمية بتراجع مؤشر الكثافة الطبية الذي يمس جوهر الحق الإنساني في الصحة..

الكلفة الخفية…

تتحوّل الفجوة التنموية الوطنية إلى معطى صادم حين يتعلق الأمر بالاختصاصات الطبية الموجّهة للصحة الجنسية والإنجابية في ولاية القيروان والوسط الغربي عموما. فحسب تقرير “الحق في الصحة في تونس أمام تحديات التغطية الصحية الشاملة” الصادر عن الراصد العربي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، واستنادا إلى الخارطة الديمغرافية لوزارة الصحة، تبلغ الكثافة الوطنية لأطباء أمراض النساء والتوليد نحو 2.93 طبيب لكل عشرة آلاف امرأة في سن الخصوبة. غير أن توزيع هذا المعدل يكشف عن تفاوت جهوي عميق يعكس تركيز الخدمات الطبّية في المناطق الكبرى ، إذ ترتفع الكثافة إلى ما يقارب 4.92 طبيب لكل عشرة آلاف امرأة في تونس الكبرى، بينما تنحدر لتصل إلى 1.08 طبيب فقط لكل عشرة آلاف امرأة في الوسط الغربي. يعني ذلك عمليا أن كثافة الأطباء المختصين في العاصمة تتجاوز أربعة أضعاف ونصف نظيرتها في ولاية القيروان والجهات المجاورة لها، حيث يغطي الطبيب الواحد احتياجات أكثر من تسعة آلاف امرأة في سن الخصوبة، مما يفرض ضغطا هائلا على المستشفى الجهوي ابن الجزار باعتباره الوجهة الاستشفائية العمومية الوحيدة بالمنطقة.

وفي مواجهة هذا النقص الهيكلي الحاد في أطباء الاختصاص، تتصدّر القابلات خط الدفاع الأول لحماية المنظومة الصحية في خطوطها الأساسية داخل أرياف القيروان. وفي هذا السياق، تؤكد سعيدة هلالي، الأخصائية في الصّحة الإنجابية والقابلة السابقة أصيلة ولاية القيروان:

“أن دور القابلة يمثل حجر الزاوية في مراكز الصحة الأساسية لمساعدة المرأة على فهم تغيرات الحمل ومرافقته بالتثقيف الصحي من اللحظات الأولى لاكتشافه وصولاً إلى مرحلة الولادة.

وتضيف هلالي “أن محور عمل القابلة يتسع ليشمل تنظيم النسل، والتوعية بضرورة المباعدة بين فترات الحمل، وشرح وسائل منع الحمل المتاحة، والاستماع إلى انشغالات النساء ومتابعة التغيرات الجسدية ذات الصلة بصحتهن الجنسية.”

وتشدّد الأخصائية على الضرورة الملحة لتطوير المنظومة الاستشفائية وإعطاء الصحة الجنسية والإنجابية الأولوية القصوى لتجنب انتشار الأمراض المنقولة جنسياً والحد من المضاعفات الخطيرة التي تطال الأم والرضيع في المناطق الريفية التي تعاني من انقطاع سلاسل المتابعة.

ورغم هذه الجهود و الدور المهم للقابلات ، يظل الاختلال البنيوي قائما في البنية التحتية ، حيث تتركز المستشفيات الجامعية الكبرى في الولايات الساحلية والعاصمة، ليقتصر الوسط الغربي على مؤسسة استشفائية جامعية واحدة بالمستشفى الجهوي ابن الجزار بالقيروان الذي يعاني بدوره من اكتظاظ ونقص في أسرة الإنعاش الطبي المخصصة للولادات الحرجة. وعلى الرغم من صدور قرارات في الرائد الرسمي بمنح الصبغة الجامعية لعدد من الأقسام الطبية في سيدي بوزيد والقصرين لتقريب الخدمات، إلا أن أقسام النساء والتوليد بالمؤسسات المحلية بالمعتمديات التابعة للقيروان لم تشهد إصلاحات هيكلية تنهي نقص أطباء التخصّص، مما يزيد من الكلفة الخفية التي تدفعها المرأة الريفية.

وتوضّح بيانات منظّمة الصّحة العالمية أن الإنفاق الذاتي المباشر من جيب الأسر التونسية لا يزال يمثل قرابة 38 بالمائة من إجمالي الإنفاق الصحي، مما يجعل الخدمة الصحية الإنجابية المجانية قانونا مكلفة واقعيا بفعل مصاريف التنقل الشاقة، وفقدان أيام العمل في القطاع الفلاحي، وتكاليف الفحوصات في العيادات والمخابر الخاصة بمركز الولاية.

وتتضاعف مخاطر هذه الكلفة الخفية لتطال سلامة الحياة نفسها، حيث تعكس التقديرات الأممية الصادرة عن منظمة الصّحة العالميّة واليونيسف والبنك الدولي استمرار معدلات وفيات الأمهات عند مستويات تتطلب معالجة سريعة، فيما تكشف تقييمات وزارة الصحة أن أكثر من ثلاثة أرباع حالات الوفاة كان يمكن تجنبها، لا سيما أن النزيف الحاد بعد الولادة يمثل السبب الأول للوفيات بنسبة تتجاوز 30 بالمائة، وهو سبب يمكن الوقاية منه في معظم الحالات بشرط النفاذ السريع للرعاية الجراحية وتأمين وسائل النقل الاستعجالي.

تقول ناجية العلوي وهي مبنّجة بقسم النساء والتوليد بمستشفى عمومي: “بحكم عملي منذ سنوات بقسم النساء والتوليد في المستشفيات العمومية، ألاحظ أن هذا القسم يستقبل أساسا نساء من الفئات الهشّة وذات المقدرة الشرائية الضعيفة، بينما تتوجّه النساء الميسورات إلى المصحّات الخاصة.

خلال هذه السنوات، لاحظت غيابا كبيرا للمعلومة والوعي بالصحة الجنسية والإنجابية لدى أغلب النساء، خاصة الريفيات منهن. من بين الحالات التي واجهتها امرأة ريفية سألتها عن شهر حملها فأجابت أنها في الشهر العاشر وستدخل الشهر الحادي عشر، وهي لا تعرف شهور حملها الحقيقية ولا جنس الجنين، ولم تخضع طيلة فترة حملها لأي متابعة طبية. وعند سؤالها عن السبب، أجابت أنه لا يوجد مستوصف أو مستشفى قريب من مقر سكناها.”

و تضيف العلوي “أحمّل المسؤولية بالدرجة الأولى لديوان الأسرة والعمران البشري، لأن هذه المهمة موكولة إليه، خاصة أنه يمتلك السيارات والعربات اللازمة للتنقل وتنظيم قوافل صحية منتظمة ومكثفة، ولديه القابلات القادرات على متابعة صحة النساء والأجنة. وأرى أن هناك تقصيرا واضحا في هذا الدور.

و تأكد محدّثتنا “أن هناك نقص فادح في عدد القافلات الصحية المتجهة إلى المناطق الريفية النائية، لفائدة النساء اللواتي يعانين العزلة ولا يملكن المال الكافي للتنقل إلى القابلة أو إلى المستوصف في وسط المدينة. وبدرجة ثانية، تتحمّل وزارة الصحة والإدارات الجهوية والمجتمع المدني جزءا من هذه المسؤولية، لكنّ العبء الأكبر يبقى على عاتق الديوان.

أما عن تأثير بُعد الخدمات الصحية عن النساء الريفيات، تقول ناجية العلوي

“سجّلت في عديد الحالات ولادات لأطفال يعانون من تشوّهات خلقية أو أمراض ناتجة عن غياب المتابعة الطبية للحمل. كما يؤثر ذلك على الأم نفسها، التي قد تصاب بأمراض خطيرة تجهل وجودها، وقد تهدّد حياتها أو تتسبب في وفاتها ووفاة جنينها، بسبب غياب المتابعة الدورية للتحاليل والفحوصات.”

عوائق المنظومة والمسارات البديلة.. نحو عدالة صحية دائمة

تتعدى أزمة النفاذ للصحة الإنجابية في ريف القيروان حاجز الجغرافيا والكلفة المالية المباشرة لتصطدم بعوائق مسلكية ومؤسساتية وثقافية داخل هيكلة المنظومة الصحية ذاتها. فوفق بيانات المسح متعدد المؤشرات الصادر عن الجهات الرسمية، تبرز فوارق طبقية حادة في الولادات القيصرية التي تبلغ نسبة 58 بالمائة لدى الأسر الأكثر دخلا، مقابل 32بالمائة لدى الأسر الأشد فقرا، وهو ما يعكس التفاوت البنيوي في القدرة على تحمل التكاليف وتوفر أطباء الاختصاص وتأطير العملية الجراحية في الوقت المناسب.

وتتأكد هذه الأزمة بالنظر إلى النتائج التي كشفت عنها تقارير الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، والتي أظهرت أن نسبة من الطواقم الطبية والشبه طبية في مراكز الصحة الأساسية بالجهات الداخلية يمتنعون عن تقديم بعض خدمات الصحة الإنجابية المكفولة قانونا -مثل توفير بعض وسائط منع الحمل أو الإجهاض الدوائي المؤطر قانونيا- لأسباب عقائدية وشخصية، مما يضع النساء أمام عوائق إضافية تعطل استعادة حقهن في العلاج والرعاية والتنظيم العائلي الذاتي.

في المقابل، تقوم الإستراتيجيات الرسمية ومسؤولة الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري إلى أهمية الأيام التحسيسية والقوافل الصحية المؤقتة للحد من العزلة وتقريب الخدمات من مستحقيها في المناطق النائية كمعتمديات بوحجلة والشبيكة وحفوز. غير أن شهادات و صور واقع أرياف القيروان تؤكد أن هذه الحملات تبقى مناسباتية رغم أهميتها التوعوية حينها، لا تفكك جوهر الأزمة البنيوية فالمرأة الريفية لا تحتاج لمتابعة الحمل والكشف المبكر عن الأورام السرطانية خلال أيام تحسيسية موسمية تتزامن مع مناسبات وطنية أو عالمية، بل تحتاج إلى بنية استشفائية قارة ومستمرة توفر الفحوصات والتحاليل والمتابعة على مدار أيام السنة دون انقطاع متكرّر في سلاسل التزويد بالأدوية ووسائل منع الحمل الأساسية بمستوصفات الخط الأول.

ويتطلب تجاوز هذا الاختلال العمل على القيام بمراجعات شجاعة لخارطة توزيع مراكز الصحة الإنجابية وأطباء الاختصاص، بناءًا على مؤشرات مزدوجة تجمع بين البعد الجغرافي والقدرة الشرائية لمتساكني الريف.

كما يستوجب الأمر دعم العيادات الميدانية المتنقلة التابعة للديوان بشكل دوري وممنهج لا مناسباتي، وتأمين التغطية الصحية المجانية والنقل الطبي الاستعجالي في المناطق الحدودية والريفيّة لضمان التدخل السريع عند الولادة وتفادي الوفيات الناجمة عن النزيف وفق ما يراه العديد من المختصين .

في هذا السياق تقول الاخصائية النفسانية بالمندوبية الجهوية للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري بالقيروان سمية محمدي “أنه عندما نقيّم ولوج النساء في الوسط الريفي للخدمات الصحية الجنسية والإنجابية في المناطق الداخلية كالقيروان، نستطيع القول إن النفاذ للخدمات موجود لكنه متفاوت حسب المنطقة والظروف الاقتصادية والاجتماعية للنساء. والمشكل الأساسي في المناطق الداخلية ليس بالضرورة غياب الخدمة، بقدر ما هو ضمان وصولها للمرأة بصفة منتظمة ومتواصلة وفي الوقت المناسب.

و تضيف المحمدي : “المرأة التي تسكن في مناطق بعيدة تواجه صعوبات تتفاقم بسبب بعد المسافة وصعوبة التنقل وكلفته، إضافة إلى محدودية بعض الاختصاصات في منطقتها وغياب المعلومة الصحيحة. لذلك فإن النفاذ للخدمة الصحية لا يُقاس فقط بوجود مركز صحي، بل بمدى قدرة المرأة على الوصول إليه وقت الحاجة، وقدرتها على متابعة حملها، وإحساسها بالثقة والأمان لطلب الرعاية دون خوف. كل هذه العوامل تؤثر على سلوكها الصحي وسعيها لطلب العلاج.

“القضية بالنسبة لي هي قضية إنصاف صحي وتكافؤ فرص بين كل النساء، مهما كان مكان إقامتهن.”

وتؤكد سمية المحمدي على أن “هناك مجهودات لتقريب الخدمات في الريف، وهذا أمر إيجابي، لكن التقريب الجغرافي وحده لا يكفي لنقول إن الفجوة بين الريف والمدينة تقلّصت. فالمرأة في المدينة والريف قد تملكان نفس الحقوق الصحية، لكن ليس لديهما نفس الإمكانيات للتمتع بها، لأن الخيارات في المدينة أوسع والتنقل بين الاختصاصات أسهل. لذلك، المطلوب ليس تقريب المؤسسة الصحية من المرأة فقط، بل تقريب منظومة الرعاية ككل: علاجا ووقاية وتوعية ومتابعة. والنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد النساء اللواتي تلقين الخدمة أو بعدد القوافل التي نظّمناها.

و في ما يخص تأثير بعد الخدمات عن النساء تقول نفس المتحدّثة : “البعد عن الخدمات يؤثر حتما على الحمل وصحة الأم، لأن الحمل يحتاج متابعة منتظمة، والهدف هو الوقاية من الخطر والتدخل العاجل عند ظهور أي مؤشر خطورة، لا علاج المشاكل بعد ظهورها. فحين تكون المرأة بعيدة عن مقدّم الخدمة، يصعب اكتشاف الخطر مبكرا، خاصة أن كثيرا من الحالات الصحية لا تظهر عليها أعراض واضحة في البداية. كذلك تُعتبر خدمات تنظيم الأسرة مهمة قبل الحمل، لأنها تساعد الزوجين على التخطيط له والمباعدة بين الولادات واختيار الوسيلة المناسبة. وكلما كانت رحلة الحصول على الرعاية متعبة، كلما زاد إحباط المرأة وترددها في مواصلة المتابعة.

أما عن دور الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، تضيف المحمدي “أن الديوان لعب على مر تاريخه دورا محوريا في إيصال هذه الخدمات للنساء في الوسط الريفي، من رعاية وتثقيف صحي ومتابعة، عبر فرقه المتنقلة التي تصل بشكل دوري إلى المناطق البعيدة ضمن خطة شاملة. لكن هذه الفرق تواجه اليوم صعوبات حقيقية، أبرزها نقص الموارد اللوجستية والبشرية، إذ أُحيل عدد كبير من الأعوان على التقاعد دون تعويضهم، كما أصبح أسطول السيارات مهترئا. فالديوان يعاني من جملة من الصعوبات تحول دون تغطيته لكل النساء والوصول لكل الأرياف، رغم رصيده الكبير من الإنجازات على مر السنين في تقريب الخدمات الجنسية والإنجابية من النساء.”

بين خطاب رسمي يسعى لتقليص التفاوت بين الجهات، وواقع ميداني تثبته الشهادات الحية للقابلات والنساء في أعماق أرياف القيروان، تظل المسافة الحقيقية التي تفصل امرأة الريف عن حقها الصريح في الصحة الإنجابية مسافة تتجاوز الخرائط الجغرافية، لتقاس بحجم الفقر، وغياب البنية التحتية وصمت الانتظار لعلّها تتحسّن يوما المنظومة الصحية .