مقال

سبيطلة-القصرين : صعوبات ميدانية تحاصر توزيع المساعدات الشتوية على القرى الريفية

في كل موجة برد تشهدها ولاية القصرين، تتحول معتمدية سبيطلة إلى نقطة تركيز للعمل الإغاثي، بحكم كثافة تجمعاتها الريفية وارتفاع نسبة العائلات محدودة الدخل فيها. الهلال الأحمر التونسي، عبر هيئته المحلية بسبيطلة، يوسّع في هذا الإطار تدخلاته من موائد الإفطار والمساعدات الغذائية المعتادة إلى مساعدات شتوية تشمل مئات العائلات الريفية المتضررة من البرد. لكن هذه التدخلات لا تجري بمعزل عن صعوبات ميدانية متعددة، يوردها المتطوعون أنفسهم بالتفصيل إلى جانب تحديدهم لأولويات المساعدات والفئات الأكثر حاجة إليها، استنادًا إلى احتكاكهم المباشر بالأهالي في كل حملة.

طرقات لا تصل إليها إلا سيارات تُدفع باليد

يتحدث المتطوّعون بأن الوصول إلى التجمعات الريفية في لعيون، الرخمات، الثماد، والمناطق المحاذية لجبل السلوم وأطراف المدينة يمثّل العائق الأول في كل حملة ميدانية. فالمسالك ترابية وفلاحية وضيقة أصلًا، وتتحول مع الأمطار والبرد إلى طرق موحلة وزلقة، ما يعرّض السيارات والأفراد للمخاطر، خصوصًا ليلًا أو في الضباب حين تنعدم الرؤية على هذه الطرقات غير المهيأة. في حالات عديدة، يضطر المتطوعون إلى النزول من السيارات ودفعها يدويّا لتجاوز نقاط الوحل، أو مواصلة جزء من الطريق سيرًا على الأقدام حاملين المساعدات معهم، وهو جهد بدني إضافي يسبق كل عملية توزيع فعلية ويستهلك وقتًا وطاقة كان يمكن تخصيصهما لتغطية مناطق أخرى.

وتزيد محدودية وسائل النقل من تعقيد هذا المشهد. إذ تُقرّ الهيئة المحليّة بإمكانية الاعتماد أحيانًا على سيارات خاصة لبعض المتطوعين لسدّ العجز في وسائل النقل الرسمية، لكن هذا الحل الظرفي يبقى غير كافٍ مقارنة باتساع المعتمدية وتعدد التجمعات الريفية الواجب تغطيتها في كل موسم.

فمحدودية الأسطول تفرض قيودًا مباشرة على طريقة التخطيط لكل قافلة إذ لا يمكن زيارة كل المناطق في ليلة واحدة، ولا نقل عدد كبير من المتطوعين والطرود في الوقت نفسه، ما يجبر الفرق على الاختيار بين مسارات محددة في كل حملة على حساب أخرى، وهو ما يعني أن بعض التجمعات قد تنتظر فترة أطول قبل أن تصلها المساعدة، بغض النظر عن درجة إلحاح حاجتها.

عندما لا تكفي الموارد ولا يرحم الطقس

في حديثنا مع بعض المتطوعين من سبيطلة صرّحوأنّ حجم التبرّعات المتوفرة للهيئة المحلية، سواء من الأفراد أو من الجهات الداعمة، لا يغطي حجم الاحتياج الفعلي في سبيطلة والجهة. فحتى عند برمجة مساعدات لفائدة 600 عائلة أو أكثر في القصرين خلال مواسم معيّنة، يبقى عدد الأسر المحتاجة فعليًا أكبر من الرقم المُبرمَج، خاصة في المناطق الريفية البعيدة التي لا تصلها إحصاءات الاحتياج بدقة كافية.

هذا التفاوت بين العرض والطلب يضع المتطوعين أمام معضلة يومية على غرار ترتيب الأولويات وتحديد من تصله المساعدة أولًا ومن ينتظر حملة لاحقة، وهو قرار يتحمّلونه بأنفسهم في غياب موارد كافية تجنّبهم هذا النوع من الاختيار.

ويضاف إلى شح الموارد عامل الطقس نفسه. فالأمطار الغزيرة والبرد القارس والرياح والضباب لا تشكل خلفية مناخية فحسب، بل عاملًا مباشرًا يعرقل حركة السيّارات ويرفع نسبة المخاطر في التنقل، ويحد من قدرة المتطوّعين على العمل لساعات طويلة في الخارج، فتتحول حملة توزيع عادية إلى عملية أكثر تعقيدًا وأطول زمنًا.

هذا العمل الميداني في الظروف القاسية بردا كانت أو حرارة يفرض على المتطوعين إرهاقًا جسديًا إضافيًا، يُضاف إلى ضغط نفسي مرتبط بالتعامل المباشر مع حالات هشاشة اجتماعية متعددة في كل بيت يزورونه. ورغم وجود قاعدة من المنخرطين في الهيئة المحلية، يؤكد المتطوعون أن عدد من يشارك فعليًا في الخروج الميداني خلال موجات البرد يبقى محدودًا، لأسباب تتعلق بالالتزامات الدراسية أو المهنية أو الصحية لدى جزء منهم. وهذا النقص العددي يجعل الأشخاص المتاحين فعليا يتحملون عدة مهام في آن واحد، من قيادة السيارة إلى تنظيم التوزيع والتواصل مع الأهالي وجمع المعطيات الميدانية، ما يرفع احتمال الإرهاق ويحد من قدرة الهيئة على تنظيم حملات أوسع أو أكثر تواترًا خلال الموسم نفسه.

سلّم الأولويات: من الدواء إلى الغطاء

استنادًا إلى ملاحظاتهم الميدانية المتكررة، يضع المتطوعون الأدوية في مقدّمة المساعدات الأكثر طلبًا في التجمعات الريفية بسبيطلة، وتحديدًا أدوية الأمراض المزمنة كالضغط والسكري وأمراض القلب، إلى جانب أدوية الرشح والالتهابات لدى الأطفال وكبار السن، إذ تزيد موجات البرد من حدة هذه الحالات الصحية وتستدعي تجديدًا أسرع للمخزون الدوائي داخل الأسرة. تليها وسائل التدفئة، من مدافئ بسيطة وقوارير غاز للعائلات القادرة على استخدامها، إلى الفحم والحطب للبيوت التي لا تزال تعتمد على المواقد التقليدية، وهو ما يتطلب دعما ماديا مباشرا وليس فقط توفير المعدّات.

وتأتي المواد الغذائية الأساسيّة، من دقيق وزيت وسكر وحليب ومعجون طماطم، في مرتبة موازية من الأهمية، باعتبارها الضامن للحد الأدنى من الأمن الغذائي للعائلات طوال فترة البرد حين تقلّ فرص العمل الموسمي ويتراجع الدخل الأسبوعي أو الشهري. أمّا الملابس الشتوية والأغطية، من معاطف وأحذية مغلقة وقبعات وبطانيّات كافية لعدد أفراد الأسرة، فيعتبرها المتطوعون العنصر الأهم في المساعدة الشتوية، خصوصًا للأطفال وكبار السن الأكثر تأثّرًا بالبرد المباشر. وهذا الترتيب يتقاطع مع الحزمة التي يعتمدها الهلال الأحمر عادة في حملاته الشتوية بمناطق أخرى، والتي تجمع بشكل ثابت بين الغذاء والدواء ووسائل التدفئة والملابس، ما يعكس تشابه الاحتياجات الأساسية بين مختلف التجمعات الريفية المتأثرة بالبرد.

من يقف في أول الصف عند توزيع المساعدة

بحسب احتكاك المتطوّعين اليومي بالأهالي خلال الحملات، تتصدّر العائلات المعوزة ومحدودة الدخل قائمة الفئات الأكثر حاجة، خاصة في التجمعات الريفية البعيدة حيث يعتمد السكان على أعمال موسمية أو فلاحية بسيطة، ما يجعلهم أكثر عرضة لارتفاع تكاليف التدفئة والغذاء مع دخول فصل الشتاء. ويأتي الأطفال في مرتبة قريبة من هذه الأولوية، سواء في العائلات المعوزة أو في الأسر ذات الدخل الضعيف، لسرعة تأثرهم بالبرد وحاجتهم إلى ملابس وأغطية مناسبة، إضافة إلى أدوية لحالات الرشح والالتهاب المتكررة في هذا الفصل تحديدًا.
أما كبار السن وذوو الأمراض المزمنة، فيحتاجون إلى دعم يجمع بين الأدوية والمواد الغذائية الملائمة لحالتهم الصحية والأغطية ووسائل التدفئة، باعتبار أن البرد يمكن أن يفاقم مشاكلهم الصحيّة القائمة.

ويشكّل ذوو الإعاقة والأسر التي ترعاهم فئة أخرى ذات أولوية، إذ يتضاعف العبء على هذه الأسر في الرعاية اليومية وتوفير الاحتياجات الخاصة، ما يستدعي عناية إضافية من الهلال الأحمر والمتطوعين خلال الحملات الشتوية. ويلفت المتطوعون أيضًا إلى العائلات المدرجة حديثًا في برامج المساعدات الاجتماعية، مثل الأسر التي أُضيفت إلى قوائم القصرين بمناسبة رمضان أو غيره، والتي تُظهر الخريطة الاجتماعية استمرار هشاشتها رغم إدراجها المتأخر في برامج الدعم.

تُظهر شهادات المتطوّعين والبيانات الميدانيّة أن العمل الإنساني للهلال الأحمر في معتمدية سبيطلة خلال فصل الشتاء يواجه صعوبات متداخلة منها صعوبة الوصول إلى التجمعات الريفية ومحدودية وسائل النقل من جهة، وشح التبرعات مقابل اتساع الحاجة وسوء الأحوال الجوية ونقص المتطوعين الفاعلين من جهة أخرى.

هذه الصعوبات لا تؤثر فقط على وتيرة التوزيع، بل تحدد أيضا حجم المناطق التي يمكن تغطيتها في كل حملة وعدد العائلات التي تصلها المساعدة فعليا. في المقابل، تحدد شهادات المتطوّعين أولويات واضحة للمساعدات المطلوبة، من الأدوية إلى وسائل التدفئة والمواد الغذائية والملابس الشتوية، كما تحدد الفئات الأكثر هشاشة، من العائلات المعوزة إلى الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة والعائلات المدرجة حديثا في برامج الدعم الاجتماعي.

هذا التقاطع بين الصعوبات اللوجستية والاحتياجات الفعلية يرسم صورة دقيقة لواقع العمل الإغاثي في سبيطلة، ويضع أمام الهلال الأحمر والجهات الداعمة تحديات ملموسة قابلة للقياس والمعالجة في المواسم المقبلة وتجدر الاشارة أن هذه الصعوبات تتكرّر هي نفسها في فصل الصيف و مع ارتفاع درجات الحرارة.