مقال

المرسوم 54 في تونس.. ثلاث سنوات من الجدل: بين مكافحة الجرائم الإلكترونية وتجريم التعبير

منذ صدوره في سبتمبر/أيلول 2022، لم يعد المرسوم عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال مجرد نص قانوني لمواجهة الجرائم الإلكترونية. فبعد نحو أربع سنوات من دخوله حيز التنفيذ، تحول المرسوم إلى واحد من أكثر النصوص إثارة للجدل في تونس، في ظل تواتر التتبعات القضائية ضد صحفيين ومحامين وسياسيين ومدونين وناشطين على خلفية مضامين إعلامية أو منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي.

وبينما تقول السلطات إن المرسوم يستهدف الأخبار الزائفة والجرائم الرقمية وحماية حقوق الآخرين والأمن العام، ترى منظمات حقوقية ومهنية أن بعض فصوله، وخاصة الفصل 24، صيغت بطريقة فضفاضة تسمح بتأويل واسع قد ينتهي إلى معاقبة التعبير السلمي.

وفي 2026، لم يعد الجدل مقتصرًا على المنظمات الحقوقية والنقابات. فقد وصل ملف المرسوم إلى طاولة البرلمان، حيث بدأت لجنة التشريع العام في دراسة مقترح لتنقيحه، في وقت تستمر فيه المحاكمات والأحكام القضائية المرتبطة به.

من مكافحة الجريمة الإلكترونية إلى معاقبة المحتوى

صدر المرسوم عدد 54 في 13 سبتمبر/أيلول 2022، تحت عنوان مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. ويحدد النص مجموعة من الجرائم المرتبطة باستخدام شبكات وأنظمة المعلومات، كما يمنح السلطات أدوات للتحقيق في الجرائم الرقمية وجمع الأدلة الإلكترونية.

غير أن الفصل 24 أصبح محور الانتقادات. فهو يفرض عقوبة بالسجن تصل إلى خمس سنوات وخطية مالية قدرها 50 ألف دينار على من يتعمد استعمال شبكات وأنظمة معلومات واتصال لإنتاج أو ترويج أو نشر أو إرسال أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة، في حالات حددها النص من بينها الإضرار بحقوق الغير أو الأمن العام أو الدفاع الوطني.

المشكلة، بحسب منتقدي المرسوم، لا تكمن فقط في العقوبة، وإنما أيضًا في طبيعة المصطلحات المستخدمة. فما المقصود تحديدًا بـ”الإضرار بالأمن العام”؟ ومتى يتحول نقد مسؤول عمومي إلى “تشويه للسمعة”؟ وأين ينتهي التعبير السلمي ويبدأ الفعل المجرّم؟

هذه الأسئلة جعلت الفصل 24 حاضرًا بقوة في عدد متزايد من الملفات القضائية.

الصحفيون في قلب المعركة

كان قطاع الصحافة من أكثر القطاعات تأثرًا بتطبيق المرسوم. ففي يناير/كانون الثاني 2026، قالت منظمة “مراسلون بلا حدود” إن 28 صحفيًا تمت متابعتهم قضائيًا في تونس بموجب المرسوم 54، معتبرة أن النص أصبح يُستخدم في كثير من الأحيان لتجريم العمل الصحفي بدل الاقتصار على مكافحة الجرائم السيبرانية.

وفي يونيو/حزيران 2026، جددت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين انتقادها لتوظيف المرسوم ضد الصحفيين، عقب الحكم على الصحفية خولة بوكريم بالسجن أربع سنوات، معتبرة أن المسار القضائي المرتبط بهذه القضايا يشكل تهديدًا جديًا لحرية الصحافة والتعبير ويؤسس لمناخ من الخوف والرقابة الذاتية.

وهكذا، لم يعد النقاش حول المرسوم نظريًا. فكل حكم قضائي جديد يعيد طرح السؤال نفسه: هل نحن أمام تطبيق عادي لقانون يهدف إلى مكافحة الجريمة الإلكترونية، أم أمام توسع في استخدام نص زجري لمعاقبة مضمون صحفي أو رأي سياسي؟

الزغيدي وبسيس.. حين لا تنتهي القضية بانتهاء عقوبة المرسوم

من أبرز الملفات التي تكشف تعقيد هذا المسار قضية الصحفيين مراد الزغيدي وبرهان بسيس.

بدأت ملاحقتهما في إطار المرسوم 54، وحُكم عليهما بالسجن على خلفية قضايا مرتبطة بمضامين وتصريحات إعلامية. لكن القضية لم تتوقف عند انتهاء العقوبة الأصلية، إذ واجها لاحقًا تتبعات جديدة.

وفي مارس/آذار 2026، أعلنت «مراسلون بلا حدود» أن الزغيدي وبسيس حُكم عليهما بالسجن ثلاث سنوات ونصف إضافية، معتبرة أن المرسوم 54 كان نقطة انطلاق لمسار قضائي طويل ضد الصحفيين.

وفي مايو/أيار 2026، كانت المنظمة تتحدث عن استمرار الملاحقة القضائية للصحفيين، في قضية امتدت من ملف المرسوم 54 إلى اتهامات أخرى، من بينها غسل الأموال.

هذه التطورات تطرح مسألة تتجاوز المرسوم نفسه: عندما تبدأ قضية صحفي بنشر أو تصريح إعلامي، ثم تتوسع لاحقًا إلى ملفات قضائية أخرى، يصبح من الصعب على الرأي العام فصل العقوبة المرتبطة بالمحتوى الصحفي عن بقية المسار القضائي.

سنية الدهماني.. نموذج آخر لتعدد التتبعات

تعد المحامية والإعلامية سنية الدهماني من أبرز الأسماء التي ارتبطت قضيتها بالمرسوم 54.

فقد حكم عليها القضاء في يوليو/تموز 2024 بالسجن سنة على خلفية تصريحات إعلامية، قبل تخفيض العقوبة استئنافيًا إلى ثمانية أشهر. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، صدر ضدها حكم آخر بالسجن عامين في قضية مرتبطة بتصريحات حول العنصرية في تونس، قبل تخفيض الحكم لاحقًا إلى سنة ونصف.

وتكشف هذه القضية، إلى جانب ملفات أخرى، عن الكلفة الشخصية والمهنية التي يمكن أن تترتب على التصريحات الإعلامية في السياق القانوني التونسي الحالي.

ليست الصحافة وحدها في مرمى المرسوم

على الرغم من أن الصحفيين كانوا في صدارة الملفات المعروفة، فإن نطاق تطبيق المرسوم يتجاوز المؤسسات الإعلامية.

فقد طالت التتبعات مدونين وناشطين سياسيين ومحامين ومستخدمين عاديين لشبكات التواصل الاجتماعي.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، قالت «مراسلون بلا حدود» إن المرسوم أسهم في خلق مناخ يخنق النقاش العام ويؤثر في الحق في المعلومة وحرية التعبير.

كما تشير منظمة العفو الدولية إلى استمرار استخدام المرسوم ضد صحفيين ومعارضين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ومحامين وفنانين ونشطاء، فيما أوردت أن 29 صحفيًا كانوا، وفق معطيات نقابة الصحفيين، يخضعون للتحقيق أو المقاضاة بموجب المرسوم حتى سبتمبر/أيلول.

هذا التوسع في دائرة المعنيين يجعل المرسوم قضية تتعلق بالمجتمع بأكمله، وليس فقط بالصحفيين.

البرلمان يدخل على الخط

بعد سنوات من الجدل، شهد 2026 تطورًا مهمًا انتقل النقاش من البيانات والمواقف إلى المسار التشريعي، حين نظرت لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب في مقترح قانون عدد 17/2024 يتعلق بتنقيح وإتمام المرسوم عدد 54 لسنة 2022، وفي 27 مارس/آذار 2026، عقدت اللجنة جلسة استماع مع الهيئة الوطنية للمحامين بشأن المقترح.

وخلال الجلسة، أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين دعمها لتنقيح المرسوم، بل واقترحت استبداله بنص متكامل يوازن بين حماية الحقوق والحريات من جهة، وحماية حقوق الغير من جهة أخرى.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأنها تعني أن الجدل لم يعد يدور فقط حول إلغاء المرسوم أو الإبقاء عليه، وإنما أصبح السؤال المطروح هو: كيف يمكن بناء إطار قانوني لمكافحة الجرائم الرقمية من دون تحويله إلى أداة لمعاقبة الصحافة والتعبير؟

ويرى منتقدو المرسوم أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على تغيير فصل واحد، فالمنظومة القانونية المتعلقة بالنشر والصحافة في تونس تتضمن أصلًا نصوصًا خاصة، من بينها المرسوم 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، والمرسوم 116 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري.

ومن وجهة نظر المدافعين عن حرية الصحافة، فإن إخضاع الصحفي لنصوص زجرية عامة بدل النصوص الخاصة بالمهنة قد يخلق تضاربًا قانونيًا ويفتح المجال أمام استخدام أشد العقوبات في قضايا ذات طبيعة صحفية.

لذلك تطالب نقابة الصحفيين، إلى جانب منظمات حقوقية، بمراجعة شاملة للمرسوم وضمان عدم استخدامه لمعاقبة الصحفيين بسبب عملهم المهني.

كما لا يمكن قراءة الجدل حول المرسوم 54 بمعزل عن السياق الأوسع لحرية الصحافة في تونس، ففي مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، جاءت تونس في المرتبة 137 عالميًا، وفق “مراسلون بلا حدود”، في مؤشر يعكس مجموعة من العوامل السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية المؤثرة في ممارسة الصحافة.

وتعتبر المنظمة أن «الحرب القانونية» أصبحت أحد أبرز مظاهر الضغط على الصحافة في العالم، فيما يمثل المرسوم 54 أحد النصوص التي تثير مخاوف متعلقة باستخدام القانون لتقييد العمل الصحفي في تونس.

وبذلك، أصبح المرسوم جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الصحافة التونسية: هل تستطيع المؤسسات الإعلامية والصحفيون ممارسة دور الرقابة على السلطة في بيئة تتوسع فيها المخاطر القانونية؟

من “الأخبار الزائفة” إلى الرقابة الذاتية

أحد أخطر آثار المرسوم، وفق النقابة والمنظمات الحقوقية، قد لا يظهر بالضرورة في عدد الصحفيين الذين دخلوا السجن، وإنما في عدد الصحفيين الذين يتجنبون نشر معلومة أو انتقاد مسؤول أو طرح ملف حساس خوفًا من التتبع.

فحين يصبح الصحفي غير متأكد من الحدود الفاصلة بين النقد المشروع والفعل المجرّم، قد يختار عدم النشر. وحين يشعر المدون أو الناشط بأن تدوينة قد تقوده إلى التحقيق أو السجن، يصبح الصمت خيارًا أكثر أمانًا.

ومن هذه الزاوية، فإن أثر المرسوم لا يقاس فقط بالأحكام الصادرة بموجبه، بل أيضًا بما لا يُنشر أصلًا.

بعد أربع سنوات تقريبًا من صدوره، يبدو أن المرسوم 54 دخل مرحلة جديدة. فمن جهة، لا تزال التتبعات والأحكام القضائية مستمرة، ومن جهة ثانية بدأت المؤسسة التشريعية مناقشة مقترح لتنقيحه.

لكن السؤال الأساسي يبقى مفتوحًا: هل ستقود هذه العملية إلى إصلاح حقيقي يعيد تعريف الجرائم الرقمية بدقة، ويمنع استخدام النص ضد الصحفيين وأصحاب الرأي؟ أم سيقتصر الأمر على تعديلات جزئية لا تغير جوهر الإشكال؟

في انتظار الإجابة، يستمر المرسوم 54 في إنتاج الجدل والملفات القضائية، فيما تجد تونس نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تحارب الأخبار الزائفة والجرائم الإلكترونية من دون أن تتحول مكافحة التضليل إلى تضييق على حق المواطنين في الكلام، والنقد، والوصول إلى المعلومة؟