منذ ظهوره أحدث الذكاء الاصطناعي التوليدي تحولًا كبيرًا في طرق إنتاج المحتوى، إذ وفّر للأفراد والمؤسسات إمكانيات كبيرة لتعزيز الإنتاجية خلال وقت قصير. لكن سهولة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي فتحت الباب أيضا أمام إنتاج محتوى مضلّل قادر على محاكاة الواقع لدرجة صعوبة تمييزه عن الحقيقة وقد أثّر ذلك في بعض المرّات على فهم الجمهور لمجريات الأحداث والواقع وساهم في تزييف وعيهم في العديد من القضايا الشائكة.
تونس كغيرها من الدول، تعاني هي الأخرى من انتشار الأخبار الزائفة المعدّة بالذكاء الاصطناعي الأمر الذي ساهم في خلق تحدّيات جديدة أمام المؤسسات الصحفية ومدققي المعلومات التي باتت تواجه من جهة صعوبة مواكبة سرعة انتشار المحتوى الرقمي والتحقق منه، ومن جهة أخرى تعاني من توتر العلاقة مع الجمهور الذي أصبح يعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر أول موثوق للأخبار. وهو ما يدعونا اليوم إلى التساؤل عن مدى قدرة الصحافة الجادّة على الحفاظ على دورها في تقديم الحقيقة وإنارة الرأي العام و المحافظة على ثقة الجمهور في المحتوى الإعلامي.
الذكاء الاصطناعي التوليدي وصناعة التضليل في تونس
لم يعد التضليل الرقمي في تونس يعتمد فقط على صور معدلة بتقنيات تقليدية مثل الفوتوشوب وغيره، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا مع توفّر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي أتاحت إنتاج محتوى (صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية) يصعب التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي. ولم يعد التضليل يقتصر على نشر خبر زائف أو رقم مغلوط سواء عن قصد وأحيانا عن غير قصد، بل أصبح يقوم على تعمّد إعادة تشكيل أحداث حقيقية أو إرفاقها بمحتوى بصري مزيف يمنحها قدرًا أكبر من المصداقية ويزيد من فرص انتشارها بين الجمهور الذي ينجر بطريقة انفعالية خلف الشائعات بدل القيام بعملية التحقق.
ولرصد هذا التحوّل، يستند هذا التقرير إلى تحليل خمس حالات سبق أن تحققت منها “تفنيد” (منصة متخصصة في صحافة التحري وتدقيق المعلومات وصحافة البيانات والمصادر المفتوحة وتضم مجموعة من الصحفيين المستقلين من دول عربية مختلفة من ضمنها تونس) ونُشرت بين سنتي 2025 و 2026 على الرغم من اختلاف موضوعاتها، إلا أنها تكشف عن أنماط مختلفة في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج محتوى مضلل.

من خلال الحالات المدروسة تبيّن أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم في كثير من الأحيان لإنتاج دليل بصري مزيف، وهو ما تم رصده في النموذج المتعلق بإدعاء مفاده “عثور وحدات الأمن التونسي على ثلاث رشاشات ثقيلة بين الأعشاب”، المنشورة يوم 20 أفريل/نيسان 2026، حيث تداولت صفحات وحسابات على فيسبوك صورة زُعم أنها توثق العثور على ثلاث رشاشات ثقيلة. وأظهر التحقق أن الصورة مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، بعد رصد تشوهات في الكتابة والذخيرة والأزياء الأمنية، كما كشف البحث العكسي أن الفيديو المرافق للمنشور يعود في الأصل إلى تسجيل نشرته وزارة الداخلية سنة 2017 حول أحداث “ملحمة بنقردان”، قبل أن يُنتزع من سياقه ويُعاد توظيفه لدعم رواية جديدة مضللة.
ولا يقتصر توظيف الذكاء الاصطناعي على اختلاق أحداث غير موجودة، بل قد يُستخدم أيضًا في أحداث حقيقية لكن مع إضفاء تغييرات بهدف التزييف ، وهو ما يبرز في مادة التحقق “صور منتشرة لتسليم سيف الدين مخلوف إلى تونس“، المنشورة بتاريخ 18 جانفي/يناير 2026. ففي هذه الحالة لم يكن التضليل متعلقا بالحدث نفسه، إذ أكدت مصادر قضائية ووسائل إعلام خبر عملية تسليم النائب السابق سيف الدين مخلوف. ولكن الصورة التي قُدمت على أنها توثق لحظة التسليم عند الحدود الجزائرية أثبتت منصة “تفنيد” أنها صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، بعد مقارنة شعار الشرطة الجزائرية والرتب العسكرية الموجودة في الصورة بالزي الرسمي، إضافة إلى وجود تشوهات في الكتابة على المعلم الحدودي. ومن خلال هذا النموذج يتضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح يوظف لخلق دليل بصري قد يمنح للخبر الحقيقي شرعية إضافية ويزيد من قابليته للتداول بين الجمهور.

أما النمط الأكثر تعقيدًا فيظهر في الحالة المتعلقة بالفيديو المتداول حول إيقاف المحامي والناشط السياسي العياشي الهمامي،المنشورة في 2 ديسمبر/كانون الأول 2025. إذ لم يقتصر الأمر على تعديل محتوى موجود، بل تعلق بإنتاج فيديو كامل بواسطة الذكاء الاصطناعي يوحي بوقوع عملية أمنية لم تحدث بالشكل الذي صوره المقطع المتداول. وقد بين التحقق الذي أجرته منصة “تفنيد” أن الفيديو مولد بالكامل بالذكاء الاصطناعي، حيث تضمن عناصر بصرية غير منسجمة مع الواقع، من بينها زي أمني لا يتطابق مع الزي الرسمي للأجهزة الأمنية التونسية، وشعارات غير صحيحة، فيما بيّن البحث العكسي أن المشهد العام استُلهم من آخر فيديو نشره العياشي الهمامي على صفحته قبل دخوله السجن.
وتكشف هذه الحالة أن الانتقال من التضليل عن طريق تزييف صورة بصريّة أو تعديلها إلى إعداد فيديو كامل عبر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي يؤدي الى إعادة تشكيل الواقع بالكامل و يزيد من صعوبة عملية التحقق خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأحداث سياسية أو أمنية تحظى باهتمام واسع لدى الجمهور.
ولا يقتصر هذا التوظيف على القضايا الأمنية والسياسية فقط، ذلك أن بعض الحالات تكشف عن أسلوب آخر يقوم على إعادة تدوير محتوى قديم وربطه بسياق جديد. ويبرز ذلك من خلال “فيديو منتشر لزحف الجراد من ليبيا إلى تونس“، المنشور في 16 مارس/آذار 2025، حيث أُعيد تداول فيديو سبق أن نشر من قبل على أنه يوثّق وصول أسراب من الجراد إلى ولاية تطاوين، الأمر الذي أثار حالة من الذعر في صفوف المواطنين، إلا أن البحث العكسي الذي أجرته منصة “تفنيد” أظهر أن الفيديو نُشر على منصة تيك توك للمرة الأولى سنة 2022 على حساب “khald_879” التابع لموقع مناحل الدغيري للعسل البري، على أساس أنه يُصوّر ظاهرة جراد طبيعية في منطقة القصيم بالسعودية، إلا أنه آنذاك قامت منصة “تيك توك” بتصنيف الفيديو الأصلي ضمن المحتويات المولدة بالذكاء الاصطناعي وفق تقنية C2PA/AIGC.

أما النموذج المتعلق بالصور المنسوبة إلى قافلة “الصمود” المتجهة نحو معبر رفح، فيكشف جانبًا آخر من الظاهرة، يتمثل في قدرة الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي على الانتقال من الحسابات الشخصية إلى فضاءات إعلامية أوسع. فقد تداولت صفحات على فيسبوك، ومدوّنون، وحتى مواقع إلكترونية إخبارية تونسية، ثلاث صور آنذاك قُدمت على أنها توثق حجم المشاركة في القافلة المتوجهة نحو غزة لكسر الحصار، غير أن التحقق أظهر أنها صور مولدة بالذكاء الاصطناعي حيث أظهر البحث العكسي أن المدون التونسي حسام علوي نشرها على حسابه الشخصي وأرفقها بتعليق توضيحي أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي لكن الهدف منها هو التحفيز إلا أنها استخدمت لاحقا للتضليل. واعتمد كشف التزييف في هذه الحالة على مؤشرات تقنية وبصرية متعددة، من بينها التشوهات الظاهرة في أعلام الدول، واختلال ملامح وجوه الأشخاص داخل التجمعات الكبيرة، وظهور شعار “Meta AI” على إحدى الصور. كما ساعدت المقارنة مع الصور الحقيقية الموثقة لمسار القافلة، المنشورة من الجهات المنظمة ومصورين صحفيين، في إثبات أن الصور المتداولة لا تعكس المشهد الحقيقي للقافلة.
وتكتسب هذه الحالة تحديدا أهميّة خاصة لأنها تُظهر أن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي لا يبقى دائمًا محصورًا داخل صفحات مجهولة أو حسابات وهمية، بل يمكن أن ينتقل إلى منصات إعلامية وصحفية، الأمر الذي يطرح تحديًا إضافيًا يتعلق بضرورة التحقق قبل إعادة النشر و يضعنا أمام مفهوم المسؤولية الصحفية مقابل قلة الوعي و المعرفة بأهمية التحقق وأساليبه.
إن الحالات الخمس المعروضة تكشف عن ثلاثة أنماط رئيسية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في التضليل داخل السياق التونسي تتمثّل أوّلا في اختلاق أحداث ومشاهد لم تقع في الواقع، وثانيا في إنتاج أدلة بصرية مزيفة لوقائع حقيقية، أما النمط الثالث فيتمثل في إعادة توظيف محتوى قديم أو خارج سياقه ضمن روايات جديدة. كما تظهر أن الصور والفيديوهات هي من المحامل الأكثر استخدامًا في هذا النوع من التضليل وذلك نظرا إلى قدرتها بسهولة على التأثير على المتلقى.
في المقابل، نستخلص من هذه النماذج المعروضة أن عملية التحقق التي قام بها مدققي المعلومات استندت إلى منهجية دقيقة ومتنوعة تجمع بين البحث العكسي، وتحليل العناصر البصرية، ومقارنة المحتوى بالمصادر الرسمية والمستقلة، وربطها بالسياق الزمني والمكاني الذي وردت فيه، وهو ما يعكس أن مواجهة التضليل المدعوم بأدوات الذكاء الاصطناعي لا تعتمد فقط على التكنولوجيا أو أدوات أخرى مضادة، بل تستوجب خبرة صحفية وقدرة على التحليل وربط الأدلة.

وفي هذا السياق، يوضح لطفي فارحي صحفي ومدقق معلومات ضمن منصة تفنيد فريق تونس، أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى المضلل شهد خلال الفترة الأخيرة انتشارًا متزايدًا، موضحًا أن التضليل كان يعتمد في السابق، على إعادة نشر صور أو مقاطع فيديو قديمة خارج سياقه، لكن اليوم أصبح يقوم على إنشاء صور أو فيديو أو حتى تسجيل صوتي لا يمت للواقع بصلة ولكنه يبدو للوهلة الأولى حقيقيا خاصة بالنسبة للأشخاص الذين لا يمتلكون ثقافة التحقق.
ويشير المصدر ذاته، إلى أن أكثر أشكال المحتوى التي تواجه مدققي المعلومات اليوم تتمثل في الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو التي جرى التلاعب بها، فضلًا عن التسجيلات الصوتية المنسوبة إلى أشخاص لم يدلوا بها أصلًا، وهو ما يجعل عملية التحقق أكثر تعقيدًا، لأن بعض هذه المواد أصبحت تحاكي الواقع إلى درجة لا يمكن الحكم عليها بمجرد الملاحظة البصرية.
ويضيف أن مدققي المعلومات يبحثون عادة عن مؤشرات قد تكشف التزييف، مثل تشوهات اليدين أو ملامح الوجه أو طريقة الكلام، إلا أن هذه العلامات لم تعد كافية بمفردها، في ظل التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي. لذلك، تعتمد عملية التحقق على تتبع المصدر الأصلي للمحتوى، والبحث عن نسخته الأولى إن وجدت، ومقارنة المعلومات بمصادر مستقلة و موثوقة، مع الحرص على عدم إصدار أحكام متسرعة في الحالات التي لا تكون فيها الأدلة كافية للوصول إلى نتيجة قاطعة.
بدورها، ترى المحررة الأولى ومديرة الفريق التونسي بمنصة تفنيد ريمان بارود، أن التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، وإتاحتها مجانًا أمام عدد واسع من المستخدمين، غيّر طبيعة المحتوى المضلل بصورة لافتة. وتوضح أن التضليل لم يعد يقتصر على نسب تصريحات مكتوبة إلى أشخاص أو إجراء تعديلات بسيطة على الصور باستخدام برامج مثل الفوتوشوب، كما كان يحدث في السابق، بل أصبح بالإمكان إنتاج محتوى كامل بواسطة الذكاء الاصطناعي يصعب اكتشافه من النظرة الأولى.
وتشير إلى أن هذا التطور لم ينعكس فقط على طبيعة المحتوى المضلل، بل فرض أيضًا تحديات جديدة أمام فرق التحقق، إذ أصبحت الصور ومقاطع الفيديو، وحتى التسجيلات الصوتية المولدة بالذكاء الاصطناعي، أكثر إقناعًا بفضل التحسن المستمر في جودة الإضاءة، وتناسق ملامح الوجوه، وحركة الشفاه، ونبرة الصوت.
وتضيف بارود أن هذا الواقع فرض تغييرًا في منهجية التحقق، موضحةً أن البحث العكسي عن الصور والفيديوهات، الذي كان يُعد من أهم أدوات كشف التضليل التقليدي، لم يعد كافيًا بمفرده، لأن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي لا يكون له في كثير من الأحيان مصدر أصلي يمكن تتبعه. لذلك، أصبحت عملية التحقق تعتمد على مزيج من التحليل التقني، والفحص البصري والصوتي، وربط المحتوى بسياقه، ومقارنته بالأدلة الخارجية والمصادر المتقاطعة، مع التعامل بحذر مع نتائج أدوات كشف المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، باعتبارها مؤشرات مساعدة لا تمثل دليلًا حاسمًا بمفردها.
وتضيف محدثتنا أن ضعف التمويل يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه منصات التحقق العربية ومدققي المعلومات المستقلين، موضحةً أن مواكبة التطور في أدوات التحقق من المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي تتطلب موارد مالية كبيرة، وهو ما تفتقر إليه منصات التحقق في العالم العربي.
عندما يسبق الزيف سرعة الحقيقة
لم تعد خطورة المحتوى المضلل المولد بأدوات الذكاء الاصطناعي مرتبطة فقط بمدى سهولة إنتاجه، بل أيضًا بالسرعة التي ينتقل بها بين الجمهور قبل أن يتمكن الصحفيون ومدققي المعلومات من فحصه و التحقق منه وكشف التزييف. خاصة وأن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي تزيد من فرص انتشار المحتوى و تداوله في فترة زمنية قصيرة جدا، وهنا يصبح الصحفيون ومدققي المعلومات في سباق متواصل بين سرعة انتشار المحتوى المضلل و سرعة التحقق.
وفي هذا الإطار كشفت دراسة علمية نشرت سنة 2018 في مجلة “ساينس” بعنوان The Spread of True and False News Online، أعدها الباحثون سودي فينكاتيش فوسوغي، ديب روي وسينان أرال في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، بهدف فهم كيفية انتشار الأخبار الصحيحة والزائفة على منصة “تويتر” سابقا – اكس حاليا-. وقد اعتمد الباحثون على تحليل نحو 126 ألف قصة باللغة الانجليزية جرى تداولها بين عامي 2006 و 2017، وقد تبين أن نحو ثلاثة ملايين مستخدم قاموا بإعادة نشر هذه القصص أكثر من 4.5 مليون مرة.
وأظهرت الدراسة أيضا أن الأخبار الزائفة غير أنها تنتشر بسرعة كبيرة هي أيضا تصل الى عدد أكبر من الجمهور وتتغلغل في مستويات عميقة داخل شبكات اعادة النشر مقارنة بالأخبار الصحيحة. ذلك أن نتائج الدراسة بينت أن الأخبار الزائفة أكثر احتمالًا لإعادة النشر بنسبة 70 بالمئة مقارنة بالأخبار الصحيحة ، في حين أن الأخبار الصحيحة تحتاج إلى وقت أطول بنحو ست مرات للوصول إلى 1500 مستخدم فقط مقارنة بالأخبار الزائفة، خاصة إذا كانت هذه الأخبار تتعلق بمواضيع سياسية. وقد اعتبر الباحثون أن انتشار الأخبار الزائفة يعود إلى طبيعة هذه الأخبار التي يعتبرها الجمهور جديدة ومثيرة تحرك فيهم عادة مشاعر مثل الخوف أو الحزن أو الفرح … وهو ما يجعلهم أكثر ميلا لمشاركتها.
ورغم أن الدراسة أُنجزت قبل ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إلا أنها تكتسب اليوم أهمية أكبر خاصة بعد أن أصبح إنتاج محتوى مضلل يحاكي الواقع يتم في دقائق في حين تتطلب عملية التحقق منه أكثر وقت وجهد.
يتفق الصحفي ومدقق المعلومات لطفي فارحي مع هذا الطرح، حيث اعتبر أن الفارق الزمني بين سرعة انتشار المحتوى المضلل وبطء التحقق منه يمثل أحد أبرز التحديّات التي تواجه مدققي المعلومات اليوم. ويوضح أن عملية التحقق لا تقتصر على فحص مصدر المحتوى، بل تشمل تحليله، ومقارنته بمصادر موثوقة. ويضيف أن بعض المنشورات المفبركة قد تنتشر على نطاق واسع خلال دقائق، بينما تستغرق عملية التحقق وقتًا أطول لضمان دقة النتائج.

من جهتها ترى رانية رزيق صحفية مستقلة أن انتشار المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي زاد من تعقيد عملية التحقق داخل غرف الأخبار. فبعد أن كانت عملية التثبت تقتصر على التحقق من مصدر المنشور أو تاريخ الصورة أو صحة المعلومة، أصبح الصحفي مطالبًا ببذل جهد أكبر لتحليل الفيديوهات والتسجيلات المولدة بالذكاء الاصطناعي، ومواكبة التقنيات الجديدة القادرة على كشفها. وتضيف أن هذا التحدي يتفاقم في ظل الصحافة اليومية التي تتسم بالسرعة و لا تمنح الصحفي الوقت الكافي للتدقيق والتحقق قبل النشر.
وترى رزيق أن هذا الواقع أدى إلى اختلاط المحتوى الحقيقي بالمحتوى المضلل، خاصة مع انتشار صفحات تنتحل هوية مؤسسات إعلامية معروفة في تونس وتنشر أخبار أو مقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل الجمهور يعتقد أنه يتعامل مع مصدر موثوق. وتضيف محدثتنا، انطلاقًا من تجربتها الصحفية، أن جزءا من الجمهور بات يمنح ثقة أكبر للمحتوى المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، مقارنة بما تنشره المؤسسات الإعلامية المهنية، مشددة أن القائمين على إنتاج هذا المحتوى يعتمدون على أساليب تستثير مشاعر المتلقين وتدفعهم إلى تصديقه وإعادة تداوله قبل التثبت من صحته.
وتعتبر رزيق أن السبيل الوحيد لاستعادة ثقة الجمهور في المحتوى الإعلامي و الصحافة الجادة في ظل انتشار الذكاء الاصطناعي يمر من خلال حلّين أساسيين، الأول يتمثل في استثمار المؤسسات الإعلامية في صحفييها، من خلال توفير دورات تكوينية ومنحهم الوقت الكافي للتحقق من الأخبار. أما الحل الثاني فيتمثل في اعتماد المؤسسات الإعلامية نفسها على الشفافية مع الجمهور فيما يتعلق باستعمال أدوات الذكاء الاصطناعي حتى وإن اقتصر الاستخدام على التدقيق اللغوي أو إضافة بسيطة في مقطع فيديو، وذلك عبر التنويه بوضوح بأن جزءا من المحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي أو أن الأداة ساهمت في تدقيقه، وهذا الأمر يساهم في تعزيز الثقة بين المؤسسة الإعلامية وجمهورها.
وبين السرعة التي يتم بها إنتاج المحتوى المضلل وسهولة انتشاره، والوقت الذي تفرضه عملية التحقق والتدقيق، تتسع الفجوة بين الزيف والحقيقة. ولم يعد التحدي يقتصر على كشف المحتوى المضلل، بل امتد إلى قدرة المنظومة القانونية في تونس على مواكبة أدوات قادرة على إنتاج وتداول محتوى قادر على التأثير على الرأي العام بطريقة سلبية أحيانا، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية الإطار القانوني التونسي لمواجهة هذا التحول.
الذكاء الاصطناعي مقابل فراغ قانوني
لا يتضمن التشريع التونسي إلى اليوم نص قانوني واضح وصريح ينظم استخدامات الذكاء الاصطناعي أو يتناول صراحة المحتوى المولد بهذه التقنيات، إلا أن القضايا المرتبطة بالنشر على مواقع التواصل الاجتماعي أو في وسائل الإعلام يتم النظر فيها استنادا الى نصوص قانونية أخرى أبرزها المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، وأيضا يتم الاستناد إلى مجلة الاتصالات الصادرة سنة 2001.
حيث ينص الفصل 24 من المرسوم عدد 54 على أنه “يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها خمسون ألف دينار كل من يتعمّد استعمال أنظمة معلومات واتصال لإنتاج أو ترويج أو نشر أو إرسال أو إعداد أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو وثائق مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذبًا إلى الغير بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بث الرعب بين السكان”.
كما ينص الفصل 86 من مجلة الاتصالات على أنه “يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين عام وعامين وبخطية تتراوح بين مائة وألف دينار كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العمومية للاتصالات”.
غير أن الجدل في تونس لم يرتبط فقط بقدرة هذه النصوص على مواجهة التضليل الرقمي خاصة المولد بالذكاء الاصطناعي، بل أيضا بطريقة توظيفها في قضايا النشر وحرية التعبير. حيث وقع الاستناد على هذه النصوص خلال السنوات الأخيرة في قضايا شملت صحفيين وإعلاميين على خلفية أعمالهم أو ممارستهم لحقهم في التعبير، في الوقت الذي يوجد في تونس بعد الثورة نص قانوني واضح ينظم المهنة وهو المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر.
ومن بين هذه القضايا، نذكر الصحفي زياد الهاني الذي صدر في حقه حكم بالسجن لمدة سنة بتاريخ 7 ماي 2026، بعد إحالته على معنى الفصل 86 من مجلة الاتصالات. كما صدرت خلال شهر يونيو/جوان 2026 أحكام سجنية تصل الى 4 سنوات غيابيا في حق الصحفية خولة بوكريم على معنى المرسوم عدد 54 لسنة 2022. كذلك صدر حكم استئنافي بالسجن لمدة سنة واحدة في حق الصحفي هيثم المكي، بعد أن كانت القضية قد أُحيلت في البداية على معنى المرسوم عدد 54 لسنة 2022 وقضت فيها المحكمة الابتدائية بعدم سماع الدعوى، إلا أن محكمة الاستئناف في الطور الثاني قضت بسجنه لمدة سنة بموجب الفصل 86 من مجلة الاتصالات. فيما صدرت خلال شهر يوليو/ جويلية 2026 أحكام بسنة سجن في حق الصحفيين حمزة البلومي وإنصاف البوغديري في قضية تعلقت بمحتوى إعلامي نشر سنة 2015.
وتكشف هذه القضايا عن مفارقة جوهرية ذلك أنه في الوقت الذي تفرض فيه أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديات جديدة في العلاقة بالأخبار الزائفة والمضللة، يظلّ الجدل قائمًا حول عدم تحوّل مكافحة التضليل إلى وسيلة للحد من حرية الصحافة والتعبير، باعتبارهما من أهم أدوات نشر المعلومة الموثوقة وتعزيز وعي الجمهور.
في ذات الإطار، ترى جيهان اللواتي، عضو المكتب التنفيذي بالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، أن مواجهة التضليل لا يمكن أن تقوم على المقاربة الزجرية القانونية فقط، بل تتطلب قبل ذلك توفير الشروط الدنيا لإنتاج المعلومة الموثوقة والصحيحة. وتوضح أن انتشار الأخبار المضللة في تونس مرتبط أساسا بغياب المعلومة الرسمية و”الصمت الرهيب للسلطة التنفيذية” وصعوبة الوصول إلى المعطيات والبيانات، ما يفتح المجال أمام تداول الإشاعات والأرقام المغلوطة، سواء في وسائل التواصل الاجتماعي بل حتى أنها انتقلت أحيانا الى بعض وسائل الإعلام خاصة فيما يتعلق بقضايا المهاجرين غير النظاميين.
تجدر الإشارة إلى أن الصحفيين في تونس يواجهون اليوم صعوبات كبيرة ومتزايدة في النفاذ إلى المعلومات والبيانات الرسمية والتواصل مع المسؤولين، وهو ما انعكس سلبا على قدرتهم على إنجاز أعمالهم اليومية والتحقق من المعطيات وهذا ساهم في صعوبة تفنيد الأخبار الزائفة التي تروج على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد تعمّقت هذه الصعوبات مع قرار السلطة – الذي لم يتم الإعلان عنه رسميا – خلال شهر أوت/أغسطس 2025، غلق مقر هيئة النفاذ إلى المعلومة ونقل موظفيها إلى مقر رئاسة الحكومة، وهو ما أدانته النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين واعتبرته “إنهاءً واقعيًا لدورها كهيئة عمومية مستقلة لضمان الحق الدستوري في النفاذ إلى المعلومة”. كما حذّرت النقابة من أن “تعطيل الهيئة من شأنه أن يحوّل الصحافة إلى أداة للترويج والدعاية الرسمية، ويقطع الطريق أمام الصحافة الجادة والاستقصائية” وهو ما يمثل ” ضربة قاصمة لما تبقى من إعلام مهني ومستقل” وفقا لما جاء في نص البلاغ الصادر عن النقابة.
وتؤكد اللواتي أن الحل لهذه الوضعية يمر عبر ضمان النفاذ إلى المعلومات، وتوفير البيانات المفتوحة، وتمكين الصحفيين من المعطيات الرسمية التي تساعدهم على التثبت من الأخبار ودحض الروايات المضللة. بما يسمح بإعادة بناء ثقة الجمهور في المعلومة الصحفية ومواجهة المحتويات المضللة المنتشرة على المنصات الرقمية.
كما طالبت جيهان اللواتي بسحب المنشور عدد 19 الذي اعتبرته “مكبّل للمسؤولين ويمنعهم من الإدلاء بتصريحات رسمية للصحفيين ووسائل الإعلام”.
إعادة بناء الثقة في زمن التضليل
لا تتوقف خطورة التضليل الرقمي عبر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في تونس على انتشار المعلومات الزائفة، بل تمتد إلى تقويض ثقة الجمهور في المعلومة الصحيحة وفي الصحافة الجادة ووسائل الإعلام المهنية. لذلك يرى المختصون أنه لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة فقط بالاعتماد على المقاربة القانونية الزجرية، بل عبر تعزيز قدرة الصحافة الجادة على التحقق ودعم الحق في النفاذ الى المعلومات الرسمية والمصادر المفتوحة، وأيضا من خلال عقد مصالحة بين الجمهور ووسائل الإعلام من خلال ممارسة هذه الاخيرة لأكبر قدر ممكن من الشفافية في علاقة بمدى استخدامها لأدوات الذكاء الاصطناعي في الأعمال الصحفية.
ولضمان ممارسة صحفية شفافة نشر مجلس الصحافة في تونس على موقعه الرسمي خلال شهر مارس2026 النسخة الأولى من “الميثاق الوطني لاستعمال الذكاء الاصطناعي في الصحافة” ، ويعتبر هذا الميثاق، الصادر عن هيئة تعديل ذاتي مستقلة، الأول من نوعه في تونس ويمثل خطوة نحو إرساء قواعد مهنية تنظم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، انطلاقا من اعتبارها أداة مساعدة تدعم عمل الصحفيين في غرف الأخبار لكنها لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تحل محلهم فيما يتعلق بالمسؤولية التحريرية وتدقيق المعلومات والتثبت منها قبل النشر والتصحيح في حال الخطأ ما بعد النشر.
من جهتها ترى الصحفية ونائبة رئيس مجلس الصحافة في تونس حنان زبيس، أن الذكاء الاصطناعي غيّر كثيرا في قدرتنا على الحصول على أخبار صحيحة لأنه أصبح قادر على إنتاج محتوى مضلل يحاكي الواقع وبجودة عالية الى درجة أنه قادر على “إعادة أناسًا أمواتًا إلى الحياة” وبالتالي فإن التحدي اليوم لا يقتصر على التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، بل يمتد أيضا إلى محدودية الوعي بكيفية استخدامها بصورة أخلاقية، سواء من جهة الجمهور الذي لا يزال غير مدرك بما يكفي لخطورة هذه التقنيات، أو من جهة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية التي لا تزال تستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة عشوائية، ولا تملك تصورا واضحا للحدود المهنية والأخلاقية لاستخدامه، ولا تملك بعد مواثيق أخلاقية داخلية تنظم توظيف هذه التقنيات وحتى فيما يتعلق بالقوانين فإن “الإطار التشريعي ما زال ناقصًا بخصوص استخدامات أدوات الذكاء الاصطناعي في حين توجد نصوص قانونية تؤطر نشر الأخبار الزائفة، من بينها المرسوم 54 ومجلة الاتصالات وحتى المجلة الجزائية ولكنه هذا الإطار التشريعي يعد مجحفا” وفق تعبيرها.
وترى زبيس أن هذا الواقع يفرض ضرورة الالتزام بمواثيق أخلاقية تحدد كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة مهنية وأخلاقية. وتؤكد أنه كلما كان المحتوى، سواءً كان صورة أو تسجيل صوتي أو أي مادة سمعية بصرية، مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، فإنه يجب التنصيص على ذلك بوضوح، وذلك لضمان الشفافية تجاه الجمهور. كما تشدد على ضرورة أن يكون المحتوى خاضع لإشراف بشري للتثبّت وتدقيق صحة المعلومات قبل نشرها.
وتضيف محدثتنا أن الميثاق الوطني لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة جاء استجابة للحاجة إلى تنظيم هذا الاستعمال بما يحترم أخلاقيات المهنة. وينص على جملة من المبادئ الأساسية، من بينها الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي كلما استُخدم في إنتاج المحتوى، وضرورة إخضاعه لإشراف بشري، وعدم تفضيل المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي على المحتوى الحقيقي، مع الالتزام بالأخلاقيات المهنية نفسها التي تحكم العمل الصحفي التقليدي.
وتوضح زبيس أن الميثاق يحدد أيضا الحالات التي يجوز فيها استخدام الذكاء الاصطناعي والحالات التي لا يجوز فيها ذلك، كما يبين مجالات استعماله بالنسبة إلى الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والجمهور. وحول هذه المبادرة تقول زبيس ” كانت محاولة جيدة من قِبَلنا، وإن كانت محاولة متواضعة “، لكنها تعتبر منطلقًا يساعد المؤسسات الإعلامية على تطوير مواثيقها الخاصة وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي داخلها بصورة مسؤولة أكثر.
في ذات الإطار، تعمل النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين على دعم هذا المسار من خلال تنظيم دورات تدريبية في مجالات التحقق الرقمي وصحافة المصادر المفتوحة، بهدف تطوير قدرات الصحفيين على التعامل مع التحولات التقنية الجديدة التي فرضها الذكاء الاصطناعي.
اذاً في ظل التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في خدمة التضليل، تجد الصحافة في تونس نفسها أمام تحديات متزايدة بين مناخ سياسي يحاصر العمل الصحفي ويصادر الحق في النفاذ الى المعلومة والتشكيك المتواصل من الجمهور من جهة وبين تنامي الأخبار الزائفة المولدة بالذكاء الاصطناعي من جهة أخرى. ومع ذلك يرى مهنيون ومختصون في الصحافة أن السبيل الوحيد لمكافحة هذه الظاهرة هو دعم الصحافة الجادة ونشر ثقافة التحقق والالتزام بأخلاقيات المهنة الصحفية لإعادة كسب ثقة الجمهور.