في غرفة صغيرة بأحد أحياء القصرين، لا يضيء المصباح إلا شاشة حاسوب وميكروفون متواضع الثمن. كل مساء، يجلس أمين أمام كاميرته ليبدأ بثا مباشرا يتابعه عشرات أو مئات المشاهدين، بين تعليق وضحكة ونقاش حول لعبة إلكترونية. بالنسبة له، هذه ليست مجرّد هواية عابرة، بل محاولة يومية لبناء شيء من لا شيء: جمهور، وهوية رقمية، وربما يوما ما مصدر رزق. لكن الطريق إلى ذلك محفوف بعقبات لا يراها المشاهد من الطرف الآخر من الشاشة.
هذه التجربة الفردية، التي يعيشها أمين وتتكرّر بأشكال متشابهة لدى عشرات الشباب التونسي من القصرين إلى تونس العاصمة، تعكس ظاهرة أوسع بدأت تفرض نفسها بهدوء وهي الستريمنغ، أو البث المباشر، الذي أصبح في السنوات الأخيرة واحدا من أسرع أشكال صناعة المحتوى الرقمي نموا في العالم.
وفي تونس، بدأ هذا المجال يشق طريقه بصعوبة، مع بروز عدد من صنّاع المحتوى الذين يحاولون بناء جمهورهم وتقديم محتوى مختلف، رغم بيئة لا تزال غير مهيأة تمامًا لاحتضان هذا النوع من العمل الرقمي.
من يتصدر المشهد؟
رغم حداثة هذا المجال في تونس، بدأت تتشكل ملامح “طبقة أولى” من الستريمرز الذين تمكنوا من فرض حضورهم وجذب جمهور ثابت. فبيانات آخر سبعة أيام تكشف عن أربعة أسماء تتصدر المشهد المحلي حاليًا: azizos_chafcha، وgooba_off، وzaNouNi، وB_b10 – كل واحد منهم بنى أسلوبه الخاص وجمهوره الخاص، في مشهد لا يزال صغيرا بمقاييس عالمية، لكنه ينمو بثبات.
هذه الأسماء الأربعة ليست مجرد أرقام في جدول إحصائي، بل هي نماذج حيّة لما يمكن أن يتحوّل إليه الستريمنغ في تونس إذا توفرت له الظروف الملائمة و كيف يمكن أن يتحوّل من هواية فردية إلى مجتمع رقمي متكامل له جمهوره ونجومه ومنافسته الداخلية.
عقبات تقف بين الشغف والاحتراف
لكن خلف هذه الأسماء البارزة، يقف واقع أكثر صعوبة يواجهه أغلب الستريمرز التونسيين، وأمين واحد منهم. فرغم النمو المتزايد الذي يشهده هذا المجال، لا يزال صنّاع المحتوى يصطدمون بعقبات بنيوية تحدّ من قدرتهم على التطوّر والاستمرار.
أول هذه العقبات وأكثرها إلحاحا هي ضعف سرعة الإنترنت، وهي مشكلة تتجاوز الستريمنغ لتطال قطاع الاتّصالات التونسي بأكمله، لكنها تصبح عائقا مضاعفا لمن يعتمد عمله أساسا على بث مباشر يتطلب اتصالاً مستقرا وسريعا. فانقطاع البث أو تدهور جودته لثوانٍ معدودة قد يكلّف الستريمر جزءًا من جمهوره الذي لا يتردّد في الانتقال إلى محتوى آخر أكثر استقرارًا.
أما العقبة الثانية فتتعلق بصعوبة تحقيق دخل فعلي من هذا المجال. فمنصّات البث العالمية غالبًا ما تشترط عتبات معينة من المشاهدين والمتابعين قبل السماح بتفعيل أنظمة الدعم المالي، وهي عتبات يصعب على ستريمر تونسي مبتدئ بلوغها في بيئة جمهور محدود العدد مقارنة بأسواق أكبر. يضاف إلى ذلك غياب شبه تام لرعاة محليين أو شركات تونسية مستعدة للاستثمار في هذا النوع من المحتوى، ما يترك الستريمرز التونسيين يعملون لسنوات دون مقابل مادي يوازي الوقت والجهد المبذولين.
أما التحدي الثالث، وربما الأكثر إيلاما نفسيا، فهو ضعف الاعتراف المجتمعي بهذا المجال كمهنة أو نشاط جاد. فكثير من العائلات التونسية لا تزال تنظر إلى الجلوس أمام الشاشة لساعات طويلة على أنه “مضيعة للوقت” لا مسارا مهنيا محتملا، وهو ما يضع شبابا مثل أمين أمام ضغط اجتماعي إضافي، فوق التحديات التقنية والمادية التي يواجهونها أصلاً.
نمو بطيء لكنه مستمر
ورغم كل هذه العقبات، تشير المؤشرات إلى أن مستقبل الستريمنغ في تونس ليس قاتما، بل هو نمو تدريجي وبطيء، لكنه واعد. فمع التحسن المتوقع في جودة خدمات الإنترنت خلال السنوات القادمة، وتطور المنصّات نفسها لتصبح أكثر ملاءمة للأسواق الصغيرة والناشئة، وتوسّع قاعدة الجمهور التونسي المهتم بهذا النوع من المحتوى، يبدو أن الستريمرز التونسيين، وفي مقدمتهم شباب مثل أمين ، يقفون اليوم عند بداية طريق أطول، لا في نهايته.
فما بدأ كتجربة فردية لشباب متحمّسين يبثّون من غرفهم بإمكانيات متواضعة، قد يتحوّل خلال سنوات قليلة إلى قطاع ثقافي واقتصادي قائم بذاته، شرط أن تواكبه بنية تحتية أفضل، واعتراف مجتمعي أوسع، وربما دعم مؤسساتي يمنح هؤلاء الشباب ما يستحقونه من فرصة حقيقية لتحويل شغفهم إلى مسار مستدام.