مقال

“الأرض تغيّرت”: ماهو مصير فلاّحي تونس بين حرارة ترتفع وأمطار تقل ؟

في الساعة السادسة صباحًا، وقبل أن تشتد أشعة الشمس، يمر محمد وهو فلاح من ولاية القصرين بين صفوف أشجار الزيتون في أرضه ، يتفحّص التربة بيده كما اعتاد أن يفعل والده من قبله. لم تعد الحركة التي يقوم بها بريئة كما كانت؛ فهو اليوم لا يتحسّس رطوبة الأرض فحسب، بل يقيس بصمت المسافة بين موسم زراعي كان يعرف إيقاعه جيّدا، وآخر بات يفلت من كل حساب. “الأرض تغيّرت”، يقولها فلاحون كثيرون في المنطقة بصيغ مختلفة، لكن المعنى واحد: المناخ الذي بنوا عليه تقويمهم الزراعي لعقود لم يعد هو نفسه”.

هذا الإحساس الفردي، الذي يتكرر في أحاديث الفلاحين من القصرين إلى بقيةّ الجهات، لم يعد مجرد انطباع عابر يتقاسمه الناس مع كل صيف حار. فقد باتت تدعمه اليوم بيانات رسمية دقيقة، تحوّل ما كان يُروى كذكرى أو ملاحظة شخصيّة إلى مؤشر موثّق، وتؤكد أن ما يعيشه هؤلاء الفلاحون في أراضيهم ليس سوى الوجه الميداني لتحوّل مناخي أعمق وأشمل.

ما تقوله الأرقام

تُظهر بيانات المعهد الوطني للرصد الجوي (INM) أن الاتجاه العام لدرجات الحرارة في تونس يسجل ارتفاعا تدريجيا وثابتا خلال العقود الأخيرة. و طيلة الفترة الممتدة من 1980 إلى 2025، تكشف البيانات بوضوح أمرين متلازمين أولها متوسط درجات الحرارة في تصاعد مستمر، وعدد الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة عتبة الأربعين درجة في تزايد لافت، خاصة منذ سنة 2010، وهي السنة التي يبدو أن وتيرة التغير المناخي تسارعت بعدها بشكل واضح.

وفي الجهة المقابلة من المعادلة، تتراجع الأمطار. إذ تتوقع الدراسات الوطنية انخفاضا في كميات التساقطات السنوية يتراوح بين 5% و10% بحلول سنة 2050 في معظم مناطق البلاد، على أن يصل هذا التراجع إلى 20% بحلول نهاية القرن في بعض الجهات الأكثر هشاشة. و بالتالي حرارة ترتفع، وأمطار تنحسر وهي معادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تعيد رسم خريطة الإنتاج الفلاحي في البلاد بأكملها.

ولاية زغوان نموذجًا: تذبذب الأمطار يعيد رسم خارطة الإنتاج

لفهم كيف تترجم هذه الأرقام الوطنية إلى واقع ملموس، تكفي ولاية زغوان لتكون نموذجا كاشفا. فبيانات وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري حول معتمديات الولاية الست تكشف تباينا حادا في التساقطات على مدى 32 عاما (1990-2021): سنوات ممطرة استثنائية كسنة 1996 أو 2003 أو 2011، تليها بسرعة سنوات جفاف قاسية كسنة 2001 أو 2008 أو 2017. لكن الأخطر ليس في هذا التذبذب بحد ذاته، بل في اتجاهه العام نحو مزيد من الانحسار في السنوات الأخيرة، إذ لم تتجاوز كمية الأمطار في زغوان سنة 2021 حاجز 267 مليمتر، وهي أحد أدنى المستويات المسجلة في تاريخ المنطقة الحديث.

وهذا التذبذب لا يبقى حبيس الجداول الإحصائية، بل ينزل مباشرة إلى الحقول. فبيانات المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بزغوان حول الإنتاج النباتي، عبر خمسة مواسم فلاحية من 2019/2020 إلى 2023/2024، تكشف قفزات حادة وانهيارات متتالية بحسب نوع المحصول على غرار إنتاج الأعلاف الذي فاق 200 ألف طن في موسم 2020/2021 وحده، مقابل تراجع كبير سجله إنتاج الزيتون في مواسم أخرى، بينما ظل إنتاج الخضر وحده يحافظ على استقرار نسبي، كجزيرة صمود صغيرة وسط بحر من التقلّبات.

خلف كل رقم و معطى هناك فلاح اتخذ قرارًا، متى يزرع؟ وكم يروي؟ وأي محصول يراهن عليه هذا الموسم؟. وحين تتقلب الأرقام بهذا الشكل الحاد من سنة إلى أخرى، فإن القرار الفلاحي نفسه يتحوّل إلى مقامرة سنوية، لا إلى تخطيط قائم على تجربة متراكمة كما كان الحال في السابق.

أزمة مضاعفة: أمطار أقل، ومخزون مائي أضعف

لا تتوقف الأزمة عند حدود السماء التي تمطر أقل، بل تمتد إلى الأرض التي تختزن أقل أيضا. فبيانات وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري المتعلّقة بمخزون السدود تكشف تذبذبا واضحا في نسبة الامتلاء من سنة إلى أخرى، خاصة خلال فترات الجفاف المتتالية، وهو ما تترجمه البيانات الوطنية عبر تراجع ملحوظ في نسبة امتلاء السدود بالتوازي مع تراجع كميات الأمطار.

وهنا تكمن خطورة الوضع فالسدود التي بُنيت أصلا لتوفر احتياطيا يمتص صدمة سنوات الجفاف، باتت هي نفسها عرضة لهذا الجفاف المتكرّر، ما يُضعف قدرتها على لعب دور “الوسادة” التي كان الفلاحون يتكئون عليها في السنوات الصعبة.

وهو ما يجعل الحاجة إلى الري تتضاعف في اللحظة ذاتها التي يتراجع فيها المخزون المائي المتاح لتلبيتها، فيرتفع مع ذلك كلفة الإنتاج ارتفاعا مباشرا، وتتراجع مردودية زراعات كانت إلى وقت قريب مضمونة النتائج.

تحدٍّ يتجاوز نشرة الأحوال الجوية

يؤكد المرصد الوطني للفلاحة (ONAGRI) أن التغيرات المناخية باتت تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع الفلاحي في تونس، لما لها من تأثير مباشر ومتشابك على الإنتاج الزراعي والموارد المائية والأمن الغذائي في آن واحد. وهذا التوصيف الرسمي لا يصف مستقبلا بعيدا، بل يصف حاضرا يعيشه فلاّحون في زغوان وفي غيرها من الجهات كل موسم.

فشهادات الفلاّحين، حين تُجمع من الميدان، تكشف كيف أثّرت موجات الحر المتكرّرة ونقص الأمطار على مواعيد الزراعة نفسها، وعلى كمّيات مياه الرّي المستهلكة، وعلى حجم الإنتاج في نهاية الموسم. أمّا المختصّون، فيضعون هذه الشهادات الفردية في سياقها الأشمل فالتغيّرات مناخية العالمية تتقاطع مع خصوصية المناخ التونسي شبه الجاف، لتنتج معادلة ضغط مزدوج على قطاع يشغّل جزءا واسعا من سكاّن الجمهوريّة.

وتؤكد كل هذه المؤشرات، مجتمعة، أن التعامل مع التغير المناخي في تونس لم يعد مسألة تقتصر على متابعة نشرة الأحوال الجوية كل صباح، بل تحوّل إلى ورشة تخطيط استراتيجي متكاملة من إدارة أكثر حكمة للموارد المائية الشحيحة، ودعم حقيقي للفلاحين لتبنّي أساليب إنتاج قادرة على التكيّف مع مناخ يتغير بوتيرة تتسارع عاما بعد عام، بدل أن ينتظر كل موسم زراعي رحمة السماء وحدها.