مقال

جغرافيا الحرمان الصحي: كيف يُقصي التفاوت المكاني نساء ريف القصرين من خدمات الصحة الإنجابية؟

109 هو عدد مراكز الصحّة الأساسيّة التي تنتشر على خارطة ولاية القصرين، لكن لا يقابلها سوى 5 مراكز فقط مخصّصة للصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة، و7 مراكز لحماية الأم والطفل، ومستشفى جهوي واحد يُفترض أن يستوعب حالات نساء الولاية بأكملها، مدعوما بـ36 سيارة إسعاف و6 مستشفيات محليّة موزّعة على معتمديات شاسعة.

هذه هي المعادلة الأولى التي تختصر مأساة الصحة الإنجابية في القصرين في الظاهرتبدو شبكة عمومية واسعة على الورق، لكنها مبنية بمنطق إداري لا يراعي المسافة الفعلية بين المرأة الريفية وباب العيادة.

فالمعضلة هنا ليست في غياب البنية التحتية كمفهوم فيزيائي، بل فيما يمكن تسميته “الوصول الفعلي” و تلك المعادلة المعقّدة التي تتداخل فيها المسافة الكيلومترية، وكلفة النقل، وتمركز التجهيزات الحيوية والاختصاصات الطبية في مركز الولاية على حساب هوامشها الريفية.

فبينما تتوزع مراكز الصّحة الأساسية بكثافة ظاهرية، تبقى خدمات “خط الدفاع الثاني” -كالطب المتخصّص والتجهيزات التشخيصية المتقدمة- حكرا على المدينة، ما يفرض على كل امرأة ريفية تريد إجراء فحص بسيط كلفة تنقل مزدوجة بين زمنية ومادية، وتبدأ من وعورة الطريق قبل أن تصل حتى إلى ردهة المستشفى.

هذا التفاوت الجغرافي لا يبقى عائقا مكانيا مجردا، بل يتحول تدريجيا إلى حاجز اقتصادي واجتماعي يعيد تشكيل سلوك المرأة الريفية تجاه جسدها وصحتها. فضعف شبكات النقل العمومي وعزلة المسالك في أرياف القصرين يدفعان، بشكل شبه قسري، نحو “تأجيل الفحص المبكّر” والاستسلام لما يشبه “الطب العلاجي الافتراضي” حيث أن المرأة لا تزور الطبيب إلا حين تظهر عليها أعراض حادة ومتقدّمة، بعد أن يكون الوقت الأنسب للتدخل قد فات.

فالمسافة هنا ليست رقما في تقرير إداري، بل هي الفارق بين ورم يُكتشف في مرحلة قابلة للعلاج وآخر يُكتشف بعد فوات الأوان.

تختصر حسناء، أربعينية تقطن سفوح جبل السلوم بريف القصرين، بشهادتها القاسية كل ما تقوله الأرقام بلغة باردة. تروي أنها فقدت جنينها في منزلها، وحيدة، بعد أن تعذّر عليها بلوغ المستشفى في الوقت المناسب لغياب إمكانياتها الماديّة وصعوبة التنقل من قريتها النائية.

تقول إنها تحمّلت وحدها كل الآلام والأوجاع التي أعقبت الإجهاض، دون أي متابعة طبية أو تدخل استعجالي، في صمت لم يكسره سوى وجعها. وتشير حسناء إلى أن غياب المراقبة الدورية والمنتظمة لحملها طيلة الأشهر السابقة، بسبب المسافة الفاصلة بينها وبين أقرب مركز صحي، كان السبب المباشر وراء ما آلت إليه الأمور، في فقدان لم تُخفِ حسرتها العميقة منه حتى اليوم.

فجوة تتسع بدل أن تضيق

عند مقارنة المؤشرات الوطنية والجهوية في علاقة بالصّحة الإنجابية نفهم أن هناك فجوة واضحة، فبرامج الكشف المبكّر عن السرطانات النّسائية تشكّل أحد أهم مكونات منظومة الصّحة الإنجابية في تونس، باعتبار أن التشخيص المبكّر يحسّن فرص العلاج ويحد من المضاعفات والوفيات.

فعلى مستوى وطني، خضعت نحو 220 ألف امرأة للكشف المبكر عن سرطان الثدي سنة 2023، وهو فحص موجّه أساسًا للنساء بين 45 و69 سنة بمعدّل مرّة كل سنتين، بينما لم يتجاوز عدد النساء اللاتي خضعن لتقصي سرطان عنق الرحم 90 ألف امرأة فقط، ضمن فئة عمرية أوسع تمتد بين 25 و64 سنة وبدورية تتراوح بين 3 و5 سنوات حسب نوع الفحص.

هذا الفارق بين الفحصين، وطنيا، ينذر بأن سرطان عنق الرحم يبقى الحلقة الأضعف في منظومة الكشف المبكّر التونسية، قبل أن نصل حتى إلى تفاوتات الجهات. فالتّحدي الحقيقي لا يرتبط بوجود هذه البرامج على الورق، بل بقدرة النساء الفعلية على الانتفاع بها بانتظام، خاصة في المناطق الريفية التي تتقاطع فيها عوائق البعد الجغرافي مع محدودية التجهيزات وندرة الاختصاصات القريبة.

وحين ننتقل من هذا المؤشر الوطني إلى المؤشر الجهوي في القصرين، تنكشف صورة أكثر قتامة. فالمقارنة الإحصائية بين سنتي 2023 و2024 تكشف عن تذبذب بنيوي مقلق في أغلب المؤشرات الحيويّة للصحة الإنجابية بالجهة.
من خلال البيانات نلاحظ أن نسبة النساء اللاتي أجرين عيادة الثلاثي الأول للحمل شهدت قفزة لافتة من 62% إلى 71%، لكن هذا التحسّن المعزول لا يخفي تراجعا عاما في بقية المؤشرات فعلى سبيل المثال نسبة مراقبة الحمل بعيادة واحدة انخفضت من 81% إلى 79%، ونسبة الولادات المراقبة تراجعت من 97% إلى 93%، بينما ظلت التغطية بخمس عيادات حسب الرزنامة الموصى بها شبه جامدة عند 50% و51% فقط بين السنتين، أي أن نصف الحوامل تقريبا في القصرين لا يحظين بالمتابعة الكاملة الموصى بها طبيّا.

أما عيادة ما بعد الوضع ووسائل تباعد الولادات فبقيتا مستقرتين عند 56% و64% على التوالي، في استقرار قد يُقرأ إيجابيا، لكنه في الحقيقة يعكس أيضا غياب أي تحسّن يُذكر.
والمؤشر الأكثر دلالة على تراجع الأداء الوقائي في الجهة يبقى انكماش عدد فحوصات الثدي من 28694 فحصًا سنة 2023 إلى 25810 فحصا فقط سنة 2024، أي بتراجع يفوق 10% في سنة واحدة فقط.بالاضافة الى أن عدد وفيات الأمهات تقلّص من حالتين إلى حالة واحدة بين السنتين، لكن هذا الانخفاض، في غياب سياسة وقائية ثابتة، يبقى رهين صغر حجم العينة السنوية أكثر مما يعكس تحسنا بنيويا حقيقيا في جودة المتابعة.

أكتوبر الوردي لا يكفي…

وفي خضم هذا التراجع الهادئ الذي تظهره الارقام ، يبقى شهر أكتوبر الوردي المحطّة السنوية الوحيدة التي تتكثف خلالها القوافل الصحية والحملات التحسيسية للكشف المبكر عن سرطان الثدي وعنق الرحم.

وتشكّل هذه المبادرات، بلا شك، فرصة حقيقية للوصول إلى عدد أكبر من النساء، خاصة في المناطق التي تعاني أصلا صعوبات مزمنة في النفاذ إلى الخدمات الصحيّة طوال بقية أشهر السنة.

لكن حصر الكشف المبكر في هذه الفترة الزمنية المحدودة يطرح سؤالا جوهريّا لا يمكن تجاوزه و هو مدى قدرة المنظومة الصحيّة فعلا على ضمان متابعة مستمرة طوال السنة؟، أم أن نساء ريف القصرين محكومات بانتظار قافلة سنوية عابرة لتُذكّرهن بحقهن في فحص قد يُنقذ حياتهن؟ فالمرأة الريفية لا تحتاج حملة موسميّة بقدر ما تحتاج خدمة قريبة ومنتظمة، متاحة في كل شهر ، وليست مشروطة بشهر وردي يمر ثم يُطوى معه ملف الاهتمام لأحد عشر شهرا كاملة.

خلاصة هذا المسار الطويل من الأرقام والمسافات والمواعيد الفائتة تشير إلى أن إصلاح المنظومة الصحية بريف القصرين لا يمكن أن يتحقق باستمرار “سياسة توفير الجدران”، أي بناء المزيد من المراكز دون إعادة النظر في توزيعها، بل يستوجب الانتقال الجذري نحو “سياسة تقريب الخدمة” من المرأة أينما كانت.

وهذا الانتقال يمر حتما عبر مأسسة النقل الصّحي كخدمة دائمة لا استثناء ظرفيا، وتكثيف الوحدات الميدانية المتنقلة التي تصل إلى القرى والمسالك المعزولة، وإعادة توزيع الخارطة الطبيّة للاختصاصات بناءا على الكثافة الديمغرافية الفعلية للنساء في سن الإنجاب والفئات المستهدفة بالكشف، لا وفق التقسيم الإداري التقليدي الذي صمّم الخدمة الصحية للمعتمديات لا للنساء اللاتي يعشن فيها.