مقال

خريجو المسرح في تونس: كفاءات في مواجهة شبح البطالة

يقف أمام مرأة غرفته الصغيرة، يكرّر نصّا حفظه عن ظهر قلب قبل سبع سنوات، حين كان لا يزال طالبا في المعهد العالي للفن المسرحي بالكاف. يومها كان يتدرّب على دور مسرحي أمام لجنة تحكيم صارمة، حالما بخشبة تحمل اسمه. واليوم، لم يتغير المشهد كثيرا في الشّكل إذ لا يزال يقف أمام المرة، ويكرّر النص ذاته أحيانا، ليس استعدادا لعرض، بل خوفا من أن تفلت منه الحرفة التي تعلّمها بعد سنوات من التوقف القسري عن الوقوف على الركح. فبين يديه شهادة عليا في فن يعشقه، وأمامه سوق شغل لا يتسع له.

هذا المشهد، الذي يتكرّر في تفاصيله لدى عشرات خريجي التربية المسرحيّة في تونس، لم يعد استثناءا فرديا، بل صار قاعدة تكشفها الأرقام بوضوح صادمأك فثر من 85% من خريجي الفنون المسرحية في تونس يعيشون اليوم بطالة صريحة أو “تشغيلا هشا”، وفق تقديرات نقابيّة، في أعلى نسبة تسجَّل بين خريجي الاختصاصات الأكاديمية كافة.

فالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس (ISAD) ومعهد الكاف يُخرّجان سنويا عشرات المبدعين نحو سوق شغل مغلق عمليا، في مفارقة تختصر أزمة قطاع كامل خلف بريق الأضواء.

ويعود هذا الشّلل، بحسب الحراك الأكاديمي لخريجي المسرح بتونس ، إلى قرار غير معلن بتجميد انتداب أساتذة المسرح والأنشطة الدرامية في المدارس والمعاهد التونسية منذ سنوات. والمفارقة الصّارخة أن تونس تمتلك اليوم أكثر من 24 مركزا جهويا للفنون الدرامية والركحية، موزّعة على كامل تراب الجمهورية، لكن هذه المراكز لا توفر خططا لانتداب الخريجين بشكل قار، بل تحوّلت بفعل غياب الميزانيات إلى هياكل بيروقراطية عاجزة عن استيعاب أبنائها.

هذا الانسداد الهيكلي دفع بنخبة من الطاقات الإبداعية التونسية إلى الاختيار بين أمرين أحلاهما مرّ فإمّا الانطفاء المهني والعمل في مراكز النداء والمقاهي، أو ركوب قوارب “الحرقة” بحثا عن فضاء يحترم قدسيّة الركح.

فجوة عميقة بين الشغورات والانتدابات

منذ سنة 2017، تخرّج من المعاهد التونسية للفن المسرحي حوالي 480 كفاءة، لا يزال أكثر من 400 منها عاطلا عن العمل إلى اليوم. والمفارقة أن هذا العدد الكبير من العاطلين لا يقابله نقص في الشغورات، بل العكس تمامًا فالشغورات التي يؤكد الحراك وجودها في مادة التربية المسرحية وحدها تتجاوز 1200 خطّة.

هذه الفجوة بين المعروض من الخريجين والشغورات المعلنة تنبع، وفق معطيات الحراك، من ثلاثة اختلالات متداخلة منها غياب مادة التربية المسرحية أصلا من برنامج التعليم الأساسي والثانوي، إضافة إلى إقصاء خريجي معاهد المسرح من مناظرات الانتداب أو الكاباس وظهور عبارة “معفى” في خانات الفنون الموسيقية أو المسرح ببطاقات تسليم الأعداد، رغم توفر أصحاب الشهادات العليا في هذه الاختصاصات تحديدا.

وتكشف مؤشرات رقمية إضافية اتساع هذه الفجوة على المستوى الوطني إذ يتجاوز عدد أصحاب الشهائد العليا المسجلين بمكاتب التشغيل 130 ألفا، فيما تناهز نسبة بطالة أصحاب الشهائد العليا 24% وفق آخر بيانات المعهد الوطني للإحصاء (INS).

من الاحتجاج إلى طاولة التفاوض

لم يبقَ ملف تشغيل خريجي المسرح حبيس التصريحات المتفرقة، بل تحوّل خلال أسابيع قليلة إلى حراك منظّم ومتصاعد بخطى محسوبة. فبدأت الشرارة الأولى في 13 نوفمبر 2025، حين أصدر المكتب الفيدرالي للاتحاد العام لطلبة تونس بالمعهد العالي للفن المسرحي ببيان رسمي حول وضعية الخريجين، لينتقل الملف بعد أربعة أيام فقط من ورقة مطلبية إلى حشد ميداني، حين تجمّع الطلبة بساحة عبد العزيز الغربي أمام المعهد.

وفي اليوم ذاته، اتخذ الحراك بُعدا سياسيا مباشرا بتوجيه رسالة إلى نائب الشعب شكري بن البحري مطالبة تدخله لعرض الملف على وزير التربية، في مؤشر على وعي الطلبة بأن حل الأزمة يتطلب تدخلاً تشريعيًا يتجاوز صلاحيات إدارة المعهد وحدها.

وما يلفت في تسلسل الأحداث هو الانتقال السريع من الاحتجاج العفوي إلى البنية التنظيمية ففي غضون الأسبوع نفسه، شكّل حراك المسرحيّين الأكاديمي الذي يضم طلبة وخريجي المعهدين العاليين بتونس والكاف معًا لجنة تنسيق وناطقين رسميين بإسمه، وهي خطوة تهدف إلى تحويل الغضب الفردي المتراكم منذ سنوات إلى ملف مطلبي موحّد وقابل للتفاوض.

هذا التصعيد المدروس أثمر عن أول استجابة رسمية ملموسة، حين دعا المكتب الفيدرالي للاتحاد العام لطلبة تونس، في 2 ديسمبر، للحضور أمام وزارة التربية في اليوم الموالي مباشرة، لينفّذ الحراك بالفعل تحركا أمامها في 3 ديسمبر 2025 يطالب صراحة بإدماج خريجي المسرح في منظومة التربية المسرحية وهو المطلب الجوهري الذي يختصر كل الأزمة و ليس طلب وظائف عابرة، بل استعادة موقع طبيعي كان يجب أن يكون مضمونا أصلا لخريجي اختصاص أكاديمي معترف به.

حين يغيب المسرح عن المدرسة، تونس مقارنة بدول أخرى

تكشف مقارنة دولية حول حضور المسرح في المنظومة التعليمية حجم الفجوة التي تفصل تونس عن دول تعتبر الفنون الدرامية جزءا أصيلا من التعليم لا نشاطا هامشيا فمن خلال أربعة مؤشرات تثبت وجود المسرح في المدارس، ووجود مادّة أو مسار مسرحي رسمي، أيضا وجود نواد أو أنشطة مسرحيّة مدرسيّة، ومستوى إدماج المسرح في التعليم من 100 . تتصدّر بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا الترتيب بنسب تتراوح بين 15% و32% لكل مؤشر، في حين لا تظهر تونس ضمن هذه الدول المرجعية أصلا، وهو غياب يعكس بذاته حجم المسافة الفاصلة بين الخطاب الرسمي حول “الفنون كجزء من التعليم” والممارسة الفعلية على الأرض.

يمتلك قطاع المسرح رصيدا هاماّ من الخريجين المؤهلين، لكن نسبة كبيرة منهم تتحوّل بعد التخرّج مباشرة إلى صفوف العاطلين عن العمل. وهذا الواقع يطرح سؤالا أوسع يتجاوز حسابات سوق الشغل ، فبينما تشكو مؤسسات التربية من انتشار الخمول واستهلاك الشباب للمخدرات والعنف، يبقى أحد أكثر الحلول توفرا لتوجيه طاقة الشباب نحو التعبير الفني والانضباط الجماعي والمقصود هنا “المسرح المدرسي “غائبا فعليا عن المنظومة، فيما يقف خريجوه المؤهلون لتأطيره خارج سوق الشغل.