كانت مريم كغيرها من نساء القصرين، تنتظر موسم “الهندي” كل صيف، لا لجني ثماره فحسب، بل لتأمين مصاريف العودة المدرسية لأطفالها. لكن هذا الموسم تغيّر المشهد فانتشار الحشرة القرمزية حرمها من مورد كانت تعتمد عليه، وجعلها تواجه صعوبة حقيقية في توفير احتياجات أبنائها كما اعتادت كل سنة.
وحال مريم هو حال مئات العائلات في الجهة، إذ لم تعد هذه الآفة مجرّد خطر بيئي يهدد نبات التين الشوكي، بل تحوّلت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية تمس مئات الأسر التي تعتمد على هذا القطاع كمورد رزق وحيد أو أساسي. فمنذ ظهورها، تقلّصت المساحات المنتجة وتراجعت مداخيل الفلاحين والفلاحات، فيما تتواصل جهود المكافحة وسط تساؤلات مشروعة حول حجم الخسائر الفعلي وكيفية إنقاذ ما تبقى من القطاع.
وما يجعل هذه الحشرة خطرة إلى هذا الحد هو قدرتها الفائقة على التكاثر والانتشار، إذ يمكن للأنثى الواحدة أن تضع ما بين 100 و400 بيضة، ويكتمل جيلها الكامل خلال 30 إلى 60 يوما فقط، ما يسمح بظهور ما بين 4 و8 أجيال سنويا في الظروف الدافئة التي تشهدها ولاية القصرين. وهي آفة قشرية صغيرة الحجم يصعب ملاحظتها في بداية الإصابة، وتتغذى حصرا على عصارة نبات الصبّار والتين الشوكي، وتفرز مادة شمعيّة بيضاء تحمي بيضها وتحصّنها من الظروف الخارجية وبعض المبيدات،
فتتكوّن مستعمرات كثيفة تظهر كبقع بيضاء قطنية على الألواح، قبل أن تتسبب في اصفرارها وجفافها ثم تساقطها وموت النبات بالكامل. وتنتقل هذه الحشرة بسهولة عبر الرّياح، أو نقل الألواح المصابة، أو حتى عبر الحيوانات والإنسان، وهو ما يفسّر سرعة توسّع بؤرها من معتمدية إلى أخرى رغم كل جهود المراقبة.
أرقام تكشف حجم الكارثة على الأرض وفي جيوب العائلات
وفق معطيات المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بالقصرين (CRDA)، تمتد غراسات التين الشوكي بالولاية على مساحة تقدّر بنحو 100 ألف هكتار، ما يجعلها من أهم الثروات الفلاحية والموارد الاقتصادية لعدد كبير من عائلات الجهة، بل تحتل القصرين المرتبة الأولى وطنيا في إنتاج هذه الزراعة بمحصول كان يُقدّر بـ250 ألف طن سنويا. غير أن الانتشار المتسارع للحشرة القرمزية أدى إلى خروج نحو 70 ألف هكتار عن السيطرة، على اثر تضرر مساحات واسعة من الغراسات،
في المقابل لا تزال نحو 30 ألف هكتار فقط تقاوم هذه الآفة، خاصة في المناطق الممتدة على أربع معتمديات هي تالة وسبيطلة والعيون وفوسانة. وانعكس هذا التراجع مباشرة على الإنتاج، إذ انخفض المحصول العام على المستوى الوطني والجهوي من 250 ألف طن إلى نحو 150 ألف طن فقط، مع توقعات بانخفاضات إضافية حادّة قد تصل إلى تلف كامل للغراسات إذا استمر انتشار البؤر بالوتيرة الحالية.
هذه الأرقام تكشف حجم التحوّل الذي فرضته الحشرة القرمزية على واقع الفلاحة بالجهة، فالخسائر لم تعد مرتبطة بالمحصول وحده، بل امتدت لتطال مصادر رزق مباشرة لمئات العائلات. فالقطاع يوفر وحده نحو 40 ألف موطن شغل بالجهة، أغلبها لفائدة يد عاملة نسائيّة تعتمد كليا على جني وتوسيم وترويج ثمار التين الشوكي، وهو ما يجعل الأزمة أزمة اجتماعية بامتياز قبل أن تكون أزمة فلاحيّة بحتة.
كما تضرر النشاط في 13 شركة متخصّصة في تحويل ثمار التين الشوكي بالولاية، ما يعني أن الأثر لا يقتصر على الفلاّح في أرضه، بل يمتد إلى سلسلة الإنتاج والتشغيل بأكملها، من الحقل إلى وحدات التحويل، مهددا بذلك مصدر رزق يتجاوز 100 ألف عامل وعائلة في الجهة.
خطة المكافحة
لمواجهة هذا التهديد، وضعت السلطات المعنية خطّة وطنية للتصدي للحشرة القرمزية والحفاظ على آخر معاقل التين الشوكي بولاية القصرين، إذ ترتكز هذه الخطة على ثلاث تقنيات رئيسية للمكافحة وهي المكافحة البيولوجية، والمكافحة الفيزيائية، والمكافحة الكيميائية. لكن نجاعة هذه الخطة تبقى مرهونة بسرعة التدخل الميداني وحجم الموارد المرصودة لها، في ظل آفة يصعب القضاء عليها نهائيا وتتطلّب مراقبة مستمرة لا تدخلات موسميّة، إذ تعتمد مكافحتها أساسا على الرصد المبكّر، وإزالة النباتات المصابة فور اكتشافها، واستعمال الأصناف المقاومة إلى جانب المكافحة البيولوجية.
وبين الأرقام التي تكشف حجم انتشار الآفة، والخرائط التي ترصد توسّع بؤرها، تبقى الحقيقة الأهم أن هذه الأزمة تتجاوز حدود نبتة التين الشوكي لتصل إلى حياة مئات العائلات في القصرين، ومصير نساء مثل مريم اللاتي بنين استقلاليتهن الاقتصادية على موسم كان يبدو ثابتا كل صيف. وبين جهود المكافحة الرّسمية وانتظار حلول مستدامة وفعلية على الأرض،
ويبقى إنقاذ هذا المورد رهينا بسرعة التدخل ونجاعة الاستراتيجيات المعتمدة، حتى لا تندثر هذه النبتة التي صمدت لعقود أمام سنوات الجفاف القاسية .